الصهيونية المسيحية تقود القرار السياسي في أمريكا

الدين يحرك سياسة واشنطن بالشرق الأوسط

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، خاصة مع تطورات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، تعود إلى الواجهة تساؤلات جوهرية حول طبيعة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وما إذا كانت تُدار وفق حسابات المصالح الاستراتيجية فقط، أم أن هناك بُعدًا عقائديًا أعمق يلعب دورًا حاسمًا في توجيهها.

هذا السؤال كان محور حلقة من برنامج «حوارات التناصح»، التي استضافت الباحث والكاتب أحمد دعدوش، حيث قدم قراءة تحليلية معمقة لمفهوم «الصهيونية المسيحية» وتأثيرها في صناعة القرار الأمريكي، رابطًا بين الجذور الدينية والتحولات السياسية المعاصرة.

الجذور الفكرية للصهيونية المسيحية

أوضح دعدوش أن الصهيونية المسيحية ليست ظاهرة حديثة، بل تعود جذورها إلى أوروبا، حيث ظهرت قراءات دينية للعهد القديم تدعو إلى «عودة اليهود إلى فلسطين». ومع انتقال هذه الأفكار إلى الولايات المتحدة، تطورت لتصبح تيارًا مؤثرًا داخل المجتمع ودوائر صنع القرار.

ويستند هذا التيار إلى تفسيرات حرفية لنصوص دينية، خاصة ما ورد في «سفر رؤيا يوحنا»، والتي تتحدث عن نهاية العالم وعودة المسيح. ومع ظهور البروتستانتية في القرن السادس عشر، على يد شخصيات مثل مارتن لوثر وجون كالفن، تعززت هذه الرؤية، حيث أُعطي اهتمام أكبر للعهد القديم، وتم النظر إلى اليهود باعتبارهم «شعبًا مختارًا».

لاحقًا، لعبت حركة «البيوريتان» دورًا مهمًا في نقل هذه الأفكار إلى أمريكا، حيث اعتبروا أنفسهم في «أرض الميعاد الجديدة»، تمهيدًا لتحقيق النبوءات الدينية المرتبطة بعودة اليهود.

وفي القرن التاسع عشر، قام جون نيلسون داربي بتطوير نظرية «التدبيرية»، التي قسمت التاريخ إلى مراحل إلهية، وميزت بين دور الكنيسة وإسرائيل، وهو ما ساهم في ترسيخ فكرة ضرورة إقامة دولة إسرائيل كشرط لعودة المسيح.

تقاطع العقيدة مع السياسة

بحسب التحليل، فإن الصهيونية المسيحية تلتقي عمليًا مع الصهيونية اليهودية في دعم إقامة دولة إسرائيل وتجميع اليهود في فلسطين، رغم وجود اختلافات عقائدية جوهرية، أبرزها طبيعة «المسيح المنتظر».

لكن هذا التوافق العملي ينعكس بشكل مباشر على السياسة، حيث يتحول الاعتقاد الديني إلى أداة ضغط سياسي تدعم السياسات المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة.

دعم واشنطن لإسرائيل

يشير التقرير إلى أن الدعم الأمريكي لإسرائيل لا يقوم على عامل واحد، بل يتشكل من تداخل عدة عناصر:

  • البعد العقائدي: يمنح الدعم طابعًا دينيًا مقدسًا يصعب انتقاده
  • المصالح الاستراتيجية: تشمل التعاون الاستخباراتي والسيطرة على مصادر الطاقة
  • اللوبيات المؤثرة: مثل إيباك ومنظمات إنجيلية فاعلة

وقد انعكس هذا التأثير على مواقف رؤساء أمريكيين بارزين، مثل رونالد ريغان، الذي تحدث عن اقتراب «معركة أرمجدون»، وكذلك دونالد ترامب، الذي اتخذ قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، في خطوة اعتُبرت استجابة مباشرة لهذا التيار.

تحولات داخل المجتمع الأمريكي

ورغم هذا التأثير التاريخي، تشير الحلقة إلى وجود تغيرات ملحوظة في الرأي العام الأمريكي، خاصة بعد أحداث 2023، حيث تزايد التعاطف مع الفلسطينيين، خصوصًا بين الشباب والديمقراطيين.

كما برز انقسام داخل التيار المحافظ، خاصة في إطار حركة «MAGA»، بين تيار يدعو إلى تقليل التدخلات الخارجية، وآخر يتمسك بالدعم المطلق لإسرائيل بدوافع دينية.

مستقبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية

يرى التحليل أن هذه التحولات قد تؤثر على شكل الدعم الأمريكي لإسرائيل مستقبلاً، لكنها لن تُحدث تغييرًا جذريًا سريعًا، في ظل استمرار تأثير اللوبيات القوية والتشابك بين المصالح والعقيدة.

كما أشار إلى أن بعض التوجهات الحالية تسعى إلى تقليل التكلفة المباشرة للدعم، عبر الدفع نحو التطبيع الإقليمي بدلًا من الانخراط العسكري المباشر.

تخلص الحلقة إلى أن فهم السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط لا يمكن أن يكتمل دون إدراك البعد الديني، خاصة في ظل تأثير الصهيونية المسيحية، التي حولت تفسيرات دينية إلى أدوات سياسية فعالة.

وفي الوقت نفسه، تؤكد على ضرورة التمييز بين الخطاب الديني والتكليف الواقعي، مع أهمية قراءة التحولات الدولية بشكل موضوعي بعيدًا عن التبسيط أو التفسير الأحادي.