السودان في مكمن الخطر – القنبلة المائية التدميرية لسد النهضة

خطاب إلى أحرار العالم (مقال)

بقلم: د. مجدي قرقر

إلى كل أحرار العالم:

نخاطبكم اليوم لا لنستنجد أو نستغيث ولكن لنحذر ونضع بين أيديكم حقيقة غائبة أو مغيّبة، “إن ما يُبنى على النيل الأزرق أسفل الهضبة الإثيوبية ليس مجرد سد، بل قنبلة مائية غير موقوتة لا يعرف أحد متى تنفجر لتهدد حياة عشرات الملايين في السودان وربما يمتد تأثيرها إلى مصر بما يفتح الباب أمام شكل جديد من أشكال العدوان لم يشهده التاريخ من قبل”.

*****

القنبلة المائية: المفهوم والخطر

سد النهضة ليس مشروعًا تنمويًا عاديًا، بل سد ضخم يخزن أمامه ما يقارب 74 مليار م3 من المياه في منطقة لم تحسم الدراسات مدى خطورتها أو نشاطها الزلزالي. هذا التخزين الهائل دون تنسيق أو اتفاق مع دولتي المصب (مصر والسودان)، يجعل من السد قنبلة مائية غير موقوتة بكل معنى الكلمة، ويزيد من خطورتها الملء السريع غير المدروس لبحيرته.

*****

ملء البحيرة دون تنسيق أو دراسة

رغم التأكيد المستمر لدولتي المصب مصر والسودان على ضرورة التنسيق معهما من قبل الجانب الأثيوبي على أسلوب الملء والتشغيل، إلا أن الجانب الأثيوبي لم يحترم مطالباتهما ولم يحترم الأعراف الدولية وأصر على سياسة فرض الأمر الواقع على الجميع.

ولقد قامت أثيوبيا بتخزين حوالي 60 مليار م3 حتى اليوم في بحيرة السد من جملة 74.00 مليار م3 مستهدفة كسعة للبحيرة، أي أن الملء الأخير لسد النهضة لم يتم حتى الآن رغم إعلان إثيوبيا عن اكتمال بناء السد والإعلان عن حفل الافتتاح في سبتمبر 2025 رغم عدم اكتمال الملء.

ولأن أثيوبيا تعمل منفردة دون تنسيق فليس لنا إلا أن نتوقع: هناك سيناريوهان للملء السادس والأخير: أولهما فتح بوابات المفيض لتصريف قدر محسوب من المياه تحسبا لحدوث فيضان مرتفع، وثانيهما الاستمرار في التخزين حتى منسوب أعلى دون الأخذ في الاعتبار حدوث فيضان كبير وهذا يثير مخاوف كبيرة لدى مصر والسودان من احتمالات الفيضانات المرتفعة وما يشكله ذلك من خطورة على جسم السد حال تجاوز السعة التخزينية، كل هذا متوقع للأسف في ظل غياب التنسيق.

هل سيتم الاحتفال قبل اكتمال ملء البحيرة؟ أم أن إثيوبيا ستقوم بالملء السادس والأخير في الأسابيع القليلة القادمة خاصة وأن موسم الأمطار قد بدأ رغم خطورة هذا الملء السريع؟ وماذا لو جاء الفيضان بكميات مياه تفوق حجم الـ 74.00 مليار م3 وما يشكله من خطورة خاصة وأن إثيوبيا لم تعلن عن تصريف المياه أو تشغيل التوربينات بشكل كامل حتى الآن تحسبا لفيضان يفوق حجم البحيرة؟ لا أحد يعرف الإجابة في ظل غياب التنسيق والتعتيم الذي يمارسه الجانب الأثيوبي.

*****

تعطل التوربينات وعدم جاهزية شبكة نقل الكهرباء

ولقد تواترت الأخبار عن تعطل التوربينات (الفرنسية الصنع) التي تم تركيبها في السد، ويتم تصريف المياه حاليا عبر بوابات المفيض وليس التوربينات، كما أن الإيراد اليومي من المياه لا يكفي لتشغيل أكثر من توربين واحد بنصف كفاءة.

أما بالنسبة لنقل الكهرباء، فالشبكة الإثيوبية غير جاهزة بالكامل لاستيعاب وتوزيع الطاقة المنتجة من السد، وهناك نقص في البنية التحتية وخطوط النقل عالية الجهد، مما يحد من الاستفادة الفعلية من الكهرباء المنتجة حتى لو اشتغلت التوربينات بكفاءة. وبالتالي، حتى لو عملت التوربينات بكفاءة، إثيوبيا لن تستفيد فعليًا من كامل الطاقة بدون تطوير الشبكة، وهذا يفسر جزء من البطء في تشغيل السد بالكامل.

كل ما سبق يكشف عن خلل فني كبير، ويثير شكوكًا حول كفاءة المشروع ككل ويطرح تساؤلات حول مدى أمان السد وعدم انهياره أو حدوث مخاطر أثناء تشغيله.

*****

الملء الأول: أخطر مراحل تشغيل السدود

تؤكد الحقائق التاريخية أن معظم انهيارات السدود الكبرى حدثت أثناء أو فور حدوث الملء الأول، وحتى الآن، فإن ظاهر الأمور أن إثيوبيا قد اختارت أن تستكمل ملء بحيرة السد بسرعة ودون اختبار تدريجي لتأثير الملء ومعدله على جسم السد في تحدٍ واضح لكل المعايير والأعراف الهندسية العالمية، مما يضاعف خطر الانهيار المفاجئ وما يشكله من خطورة على السودان وبدرجة أقل على مصر.

والاحتمال الثاني أن تضطر إثيوبيا لتصريف كميات ضخمة فجأة وهو ما يمثل خطورة وإن كانت بدرجة أقل من حالة انهيار السد. إلا أن المخاطرة بتصريف كميات ضخمة من المياه اكبر من سعة تصرف النيل الأزرق يهدد السودان ومنشآته المائية بخطر شديد ومما سيثير المجتمع الدولي ضد إثيوبيا.

وفي كلتا الحالتين (انهيار السد أو حدوث تصريف كبير ومفاجئ للمياه) فإن السودان سيكون أول الضحايا: سيبتلع الفيضان معظم القرى والمدن السودانية على النيل الأزرق، سدود ستنهار أو تتعرض لخطر الانهيار أو يتأثر تشغيلها وخاصة سدي الروصيرص وسنار، وقد يؤدي لفناء عشرات أو مئات الآلاف من البشر وخسائر مادية وزراعية هائلة.

إن انهيار السد أو التصريف المفاجئ للمياه من سد النهضة بدون تنسيق يُعتبر تهديدًا خطيرًا للسودان، بل هو شكل من أشكال العدوان المائي بسبب خطره المباشرة على حياة الناس والبنية التحتية.

كما أن غياب التنسيق والإنذار المبكر يجعل السودان في مواجهة كارثة محتملة خلال أيام فقط من أي تصريف مفاجئ، وهو ما يستدعي تحركًا دوليًا عاجلًا لحماية السودان من هذا التهديد.

أما مصر، فإن الخطر ليس في انهيار السد أو تصريف كميات كبيرة من المياه، بقدر ما يتمثل في نقص حصتها المائية حال عدم الالتزام بعدم المساس بها بما يهدد أمنها الغذائي والاجتماعي.

إن غياب التنسيق مع دول المصب يجعل من سد النهضة أداة عدوانية بيد دولة واحدة ضد شعوب دول أخرى، وهو ما لم يسبق له مثيل في النزاعات المائية الدولية.

*****

الآثار المدمرة للقنبلة المائية غير الموقوتة

بعكس القنبلة النووية التي تُستخدم مرة واحدة وما تحدثه من دمار، فإن القنبلة المائية التدميرية غير موقوتة ولا يعرف أحد متى تنفجر فتظل قائمة، مهددة، ومعلقة فوق رؤوس الشعوب.

وإذا كانت القنبلة النووية تستخدم أثناء الحروب، فإن القنبلة المائية يمكن أن تفاجئنا في زمن السلم وعن غير قصد كما سيدعي المتسببون فيها، كما أنها قد تُسوق كمشروع تنموي، بينما هي في حقيقتها أداة عدوان وإبادة محتملة مالم تأخذ اعتبارات الأمان العلمية في الاعتبار.

*****

ماذا بعد الافتتاح؟

إن الموقف شائك وربما يزداد سوءا بعد الافتتاح الرسمي لسد النهضة، فمن المحتمل أن تعتبر إثيوبيا سد النهضة أمرا واقعا وتبدأ تشغيله الكامل بدون أي التزامات مستقبلية مما سيعقّد أي مفاوضات محتملة ويزيد من التوتر الإقليمي. وستكون مصر والسودان أمام تحد كبير: إما تصعيد سياسي ودولي، أو محاولة فرض اتفاق جديد بضغط خارجي من خلال وسطاء.

إن استخدامات المياه دون دراسة عوامل الأمان يمكن أن تكون سلاحا مدمرا بأثر لا يقل فتكًا عن الأسلحة الفتاكة. ولأن هذا نوع جديد من العدوان، ولأنه شكل جديد من أشكال العدوان فإن المجتمع الدولي لم يؤهل نفسه للتعامل مع مثل هذا العدوان المائي. ورغم ذلك فإن المجتمع الدولي سيتدخل حال حدوث كارثة إنسانية، وعندها ستكون إثيوبيا في موقف سياسي حرج يعرضها لعقوبات دولية.

إن الموقف الرسمي والشعبي المصري موقف رافض لإجراءات إثيوبيا الأحادية ويصف افتتاح السد بأنه “غير شرعي ومخالف للقانون الدولي”، بينما تستمر القاهرة في الضغط السياسي والدولي وتحذر من مخاطر السد على أمنها المائي.

*****

نداء إلى أحرار العالم

نخاطب الضمير الإنساني العالمي، أوقفوا هذه القنبلة قبل أن تنفجر، اضغطوا من أجل اتفاق عادل وملزم، لا تتركوا المياه تُستخدم كسلاح، من يسكت على هذا العدوان، قد يكون ضحيته التالية.

 

حمى الله مصر والسودان وجنبهما وشعبيهما شر الفتن