الجيش والسلطة في التجربة الباكستانية
في ظل صراع جيوسياسي مع الهند
- السيد التيجاني
- 18 ديسمبر، 2025
- تقارير
- الانقلابات العسكرية, الجيش الباكستاني, الحكم المدني, الديمقراطية, الهند
منذ لحظة تأسيسها عام 1947، لم تعرف باكستان استقرارًا سياسيًا طويل الأمد. الدولة التي نشأت في ظل صراع جيوسياسي مع الهند وأزمات هوية داخلية، وُلدت وهي تحمل بذور تدخل المؤسسة العسكرية في شؤون الحكم. ضعف النخب المدنية في السنوات الأولى وغياب دستور مستقر فتح الباب أمام الجيش ليملأ الفراغ.
ليس فقط كحامٍ للحدود، بل كفاعل سياسي يرى نفسه وصيًا على الدولة. ومع مرور العقود، ترسخت هذه الوصاية لتصبح جزءًا من بنية النظام السياسي، لا مجرد استثناء طارئ.
على الورق، باكستان دولة ديمقراطية برلمانية، تُجرى فيها انتخابات دورية وتتناوب الأحزاب على الحكم. لكن في الواقع، ظل السؤال قائمًا: من يملك القرار النهائي في القضايا الكبرى كالأمن والسياسة الخارجية واستمرارية الحكومات.
كثير من الباحثين، ومنهم أستاذ العلوم السياسية أكيل شاه، يرون أن السلطة الفعلية لا تزال متركزة في يد المؤسسة العسكرية، بينما تعمل الحكومات المدنية ضمن هامش مرسوم سلفًا.
لماذا لا يحكم المدنيون وحدهم
السؤال المتكرر في الداخل الباكستاني هو ما إذا كانت البلاد تفتقر فعلًا إلى كوادر مدنية قادرة على إدارة الحكم. الواقع يشير إلى عكس ذلك. باكستان تمتلك جهازًا بيروقراطيًا عريقًا وجامعات تخرّج آلاف المتخصصين في الإدارة والاقتصاد والقانون.
لكن المشكلة لا تكمن في نقص الكفاءات، بل في طبيعة العلاقة غير المتوازنة بين المدني والعسكري.
الجيش الباكستاني تطور ليصبح مؤسسة شاملة ذات نفوذ اقتصادي وإعلامي وأمني واسع. ضباط متقاعدون يشغلون مواقع حساسة في شركات كبرى ومؤسسات حكومية،
ما يمنح الجيش حضورًا دائمًا حتى خارج الثكنات. هذا التغلغل يجعل من الصعب على أي حكومة مدنية أن تمارس سلطتها كاملة دون تنسيق أو موافقة ضمنية من المؤسسة العسكرية.
في هذا السياق، يلجأ الجيش أحيانًا إلى دعم أو إبراز شخصيات مدنية لتولي رئاسة الحكومة. هذه الصيغة تمنح الحكم غطاءً ديمقراطيًا أمام الداخل والخارج، مع الحفاظ على النفوذ الحقيقي في الخلفية.
يرى محللون أن هذه المعادلة تخدم الطرفين مؤقتًا، لكنها تضعف تطور الديمقراطية على المدى الطويل، لأنها تفرغ العمل السياسي من استقلاله.
الانقلابات العسكرية وبناء الدولة العميقة
شهدت باكستان ثلاثة انقلابات عسكرية رئيسية شكّلت ملامح نظامها السياسي. انقلاب أيوب خان عام 1958 وضع سابقة تدخل الجيش المباشر في الحكم. ثم جاء انقلاب ضياء الحق عام 1977 ليعزز دور الجيش ويضفي عليه بعدًا أيديولوجيًا عبر أسلمة السياسة.
أما انقلاب برويز مشرف عام 1999 فكان تعبيرًا عن استمرار قابلية النظام المدني للانهيار عند أول صدام حاد مع المؤسسة العسكرية.
هذه الانقلابات لم تكن مجرد تغييرات في القيادة، بل أسست لما يُعرف بالدولة العميقة. شبكة من العلاقات تربط الجيش بالمخابرات والقضاء والإعلام، قادرة على توجيه المسار السياسي
حتى في غياب الحكم العسكري المباشر. الباحثة عائشة صديقي تصف هذه الحالة بأنها نظام هجين، لا هو ديمقراطي كامل ولا عسكري صريح، بل مزيج يسمح للجيش بالتحكم دون تحمل كلفة الحكم المباشر.
في قلب هذه الشبكة تقف وكالة الاستخبارات الباكستانية التي لعبت أدوارًا تتجاوز العمل الأمني التقليدي. تاريخها في التأثير على الأحزاب والانتخابات والتحالفات جعلها لاعبًا سياسيًا غير معلن، ما عمّق شعور الشك لدى الشارع تجاه نزاهة العملية السياسية.
مشهد سياسي متقلب وآثاره
هذا التداخل بين العسكري والمدني انعكس بوضوح على استقرار النظام السياسي. الحكومات نادرًا ما تُكمل ولايتها، والأحزاب تنشغل بالصراع مع المؤسسات أكثر من انشغالها ببناء برامج طويلة الأمد. النتيجة هي ديمقراطية شكلية تعاني من ضعف الثقة الشعبية، حيث يشعر المواطن أن صوته الانتخابي لا يترجم بالضرورة إلى سلطة حقيقية.
اقتصاديًا، أدى عدم الاستقرار السياسي إلى تراجع ثقة المستثمرين وتباطؤ الإصلاحات. القرارات الكبرى كثيرًا ما تُتخذ من منظور أمني، حتى لو تعارضت مع اعتبارات التنمية.
يرى الخبير الاقتصادي رضا رومي أن هذا النمط من الحكم يجعل الاقتصاد رهينة للأزمات السياسية، ويحد من قدرة الحكومات على تنفيذ سياسات جريئة.
خارجيًا، يمنح نفوذ الجيش باكستان قدرًا من الثبات في السياسة الأمنية، لكنه يخلق في الوقت نفسه حذرًا دوليًا. الشركاء الغربيون يتعاملون مع إسلام آباد وهم يدركون أن مراكز القرار متعددة، ما يعقّد العلاقات ويؤثر على صورة البلاد كدولة ديمقراطية مستقرة.
في المحصلة، باكستان ليست دولة يحكمها الجيش بشكل مباشر دائم، ولا هي ديمقراطية مدنية مكتملة. هي نموذج لدولة يعيش فيها الحكم في منطقة رمادية، حيث يتعايش المدني والعسكري في علاقة غير متكافئة.
يرى أكيل شاه أن الخروج من هذه الدائرة يتطلب إصلاحًا مؤسسيًا طويل النفس يعيد تعريف دور الجيش ضمن إطار دستوري واضح. حتى يتحقق ذلك، سيظل السؤال مطروحًا في كل أزمة سياسية: من يحكم فعليًا؟