الدولة العربية… محاولة لفهم أفضل
د. نورالدين ثنيو يكتب
- dr-naga
- 3 ديسمبر، 2025
- رأي وتحليلات
- الدولة, الدولة العربية, السودان, النظام العربي, اليمن, د. نورالدين ثنيو, سوريا, فلسطين
الدولة من المفاهيم السياسية الحديثة والمعاصرة، التي يجب أن تنطوي على سجل تاريخي يوفر لها المعاني والدلالات والتجارب والوقائع والشخصيات اللائقة بها. فالدولة ليست مجرد مصطلح أجوف يراد استخدامه في أي من المجالات، خاصة منها العمومية. ففي التجربة العربية الأخيرة، تَبَيّن أن مفهوم الدولة لم يمتلئ بما يحصِّنها ويحميها كجوهر سياسي دائم وقائم، بل كل التجارب العربية نحت نحو التَّنمية المعكوسة، أي التطور نحو الوصول الى لحظة الانهيار والدمار والفوضى، كان آخرها تفكك الجمهورية العربية السورية، بعد إفلاس أمني وعسكري للنظام الحاكم لأكثر من نصف قرن من الزمن المعاصر.
فالدولة، وفق ما يمكن أن نَفْهمه في ثقافتنا المعاصرة، بنية لا تَكفّ عن التَّطور والنَّماء، عبر مُراكمة لا تتوقف من الرَّصيد العمومي، أي التراث الذي يجب أن يدخل إلى حيز مؤسسات الدولة وأجهزتها، وليس إلى النظام الذي يَعجز عجزا فادحا عن إدارة المخزون العمومي، لأن النظام، جاء من حالة خاصة فردية وعائلية وعشائرية وطُرُقية وحِزبية، ورثت النِّظام عن كفاحها ضد الاستعمار الأوروبي. وهكذا، فالأنظمة العربية التي انهارت خلال مسارها، لما بعد تأسيس هيئة الأمم المتحدة عام 1945، هي الأنظمة التي ربطت بشكل غير شرعي بينها وبين الدولة التي يجب أن تبقى محتفظة بكل الاستقلال الذي يوفر لها عدم إمكانية اغتصابها وامتلاكها والاستئثار بها وصرفها عن مبرر وجودها الأصلي.
الدولة، مهما كانت في زمننا المعاصر، وجدت لتكون بكل ما تنطوي من مجال عمومي وسيادة واستقلال، وكل سعي وتطلع إلى بناء ما يفيد هذه الاعتبارات تتقوى به الدولة ويُرَشحها لتقديم ما يساعد على توازن وتَفَاعل وانسجام العالم كله. أما محاولة النَّيل من هذه الاعتبارات، ومزاحمة اعتبارات أخرى معادية، أو مضادة لها، كأن تطغى المصلحة الخاصة على المصلحة العمومية، أو الولاء والتبعية على الاستقلال والسيادة، أو إرادة الحاكم على إرادة الشعب، كل ذلك يفضي لا محالة إلى الانهيار، وإشهار إفلاس سياسي يحتاج تدخل الهيئة الأممية والمجتمع الدولي، على ما يجري في السودان واليمن وفلسطين..
النظام العربي يجب عليه أو هكذا أُرِيد له، أن يُعَبَّر عن الدولة كهيئة ومؤسسة ومرفق عمومي، كأفضل سبيل للاحتفاظ بالنظام ذاته وليس للحفاظ على الدولة
الوضع القائم اليوم في سوريا هو النموذج الذي تكرر في عدة مناسبات تاريخية في عالمنا العربي المعاصر، والوضع ذاته يتَرَبَّص بالباقي من أجل أن ينتقم من الأنظمة، التي لم تترك الرصيد الكافي للدولة من أجل أن تعيش وتقوى وتواصل وظيفتها الدائمة، ونقصد التَسْيير العادي لشؤون الدولة والمجتمع. فقد نَفَد ما في جعبة النظام، وسُخّر دون وجه حق، ولا وجه شرع ما في تاريخ الأمة وثرواتها وموارد الأرض والطبيعة، من أجل استنزافها واستغلالها والبقاء الدائم في السلطة. ومن هنا القول إن الانهيارات العربية ناجمة في الجوهر والأساس من نفاد المخزون، سواء منه المادي والمالي والمعنوي والرمزي، أو حتى الريع التاريخي والثروات المعدنية، والموارد الأرضية الظاهر منها والجوفي. فقد كانت الدولة العربية إمكانا، ولم تكن أبدا حالة قائمة وموجودة بفعل الشَّرعية الدولية الجديدة لما بعد تأسيس هيئة الأمم المتحدة، التي وفَّرت الشروع في إمكانية بناء الدولة القومية أو الوطنية كشرط لازم لاستحقاق الشرعية الدولية للدولة وفي المجتمع الدولي المتجه الى التشكل بدوره.. لكن كل الأنظمة العربية أخفقت في هذه المهمة السياسية وعبّرت في نهاية المطاف عن تنمية معكوسة، أي صناعة تاريخ نحو الانهيار والدمار والفساد..
من المعاناة القاتلة للدولة العربية المعاصرة هو التَّماهي الذي فُرض عليها مع النظام، فبينها وبين النظام لا توجد مسافة دلالية ولا اصطلاحية، الأمر الذي أفضي في تجربة الحكم لما بعد استقلال الدول العربية ومرحلة تصفية الاستعمار، إلى انهيار الدولة مع انهيار النظام السياسي/ العسكري. فالنظام العربي يجب عليه أو هكذا أُرِيد له، أن يُعَبَّر عن الدولة كهيئة ومؤسسة ومرفق عمومي، كأفضل سبيل للاحتفاظ بالنظام ذاته وليس للحفاظ على الدولة التي يجب أن تتحلّى في جوهر خصائصها على دائميتها لوجود الشعب الدائم، الذي يجب أن يداوم على إدارة وتسيير السلطة بما هي أساس حيوي وحياتي إن للفرد أو للمؤسسة.
الانهيار الأخير للنظام السوري في أعقاب فرار عائلة الأسد، يؤكد حقيقة التماهي أو الربط القسري بين النظام والجمهورية العربية السورية، وهي في الغالب تسمية للحصول على الوثيقة الدولية التي تقتضيها الأمم المتحدة، أي ما يعرف بالشرعية الدولية، وإلا كان النظام العائلي أو القبلي أو العشائري، أو الحزبي يكفي لإحكام الحكم على المجتمع وتصريف شؤونه وقضاياه. ما يؤشر إليه سقوط عائلة الأسد ومعها الدولة والنظام هو، أن حالة الاقتران بين النظام العربي السلطوي والدولة كجهاز وآلية وثقافة سياسية حديثة يمثل التجربة التاريخية للدولة العربية التي تسير ليس نحو مراكمة التنمية وتمتين قواعدها وأسسها كوجود دائم، بل نحو الانهيار والسقوط والتدهور المطلق. فالتجربة السورية، ليست بعيدة عن التجربة العراقية، وليست بعيدة عن التجربة الليبية، وكذلك ليست بعيدة عن التجربة السودانية واليمنية، وقد نواصل ذكر الأمثلة إلى الدول العربيةإكافة، ما دام مسار التماهي بين النظام والدولة سواء أكانت ملكية أم جمهورية، وعلى سبيل الادعاء، فإن المقصد هو الى الانهيار والسقوط والأفول.
تاريخ النظام السياسي العربي الحديث والمعاصر هو تاريخ لهزات اجتماعية وثورات شعبية وحروب عنيفة وانقلابات عسكرية وحِراكات مدنية.. الأمر الذي يستعصي على تنمية الدولة من أجل استقلالها المؤسساتي، وتبقى تعاني من حكر النظام لها، سواء بقيادة عسكرية مباشرة، أو بواسطة توكيل طاقم مدني لإدارة الحكم، يدرك جيدا أن قيادة الأركان هي جهازه الأمني الذي يحميه ويراقبه في الوقت ذاته. فعندما يكتب التاريخ العربي على هذا النحو من الوقائع والأحداث والمواقف والتداخل في المعاني، وفساد الخطاب وشعبويته، فالانهيار مقبل لا محالة، ولو بإعلان حالة إفلاس، وتوقف عن إداء الخدمة، لأن الهيئة الأممية والمجتمع الدولي لهما نصيب من تقديم إسعافات لشخصيات اعتبارية في حالة خطر.
في المطاف النهائي أو التحليل الأخير، فإن إعادة فهم الدولة العربية في زمننا المعاصر يقتضي ليس النظر إليها وفق إشكالية النهضة العربية أو الإسلامية الحديثة، التي جرت مطلع القرن العشرين، بل النظر اليها وفق إشكالية لماذا أخفقت هذه الدولة في إنجاز ما يمكن أن تقوم وتضطلع به، أي مقوِّمات الدولة المكتملة التي تستغني عن البشر والأفراد والأغراض الخارجة والغريبة عنها. فالسؤال يبدأ تاريخيا من سبعينيات القرن العشرين وبالضبط مع لحظة انقلاب حافظ الأسد في سوريا، الذي كان يعتقد أنه يؤسس الجمهورية العربية السورية، وآل الأمر الى نظام عائلي علوي أسدي ديكتاتوري رهيب، لا يخشى حتى حرق البلد، كاشفا عن نوعية الحكم ونوعية السيادة ونوعية النظام. ما يؤسف له حقا أن الدولة العربية هي في الزمن الراهن بصدد كتابة تاريخ إخفاقاتها المتتالية وهزائمها المتوالية، وأن دورها صار إلى التَّحكم في السلطة، حتى لا يفضح أثرها الخائب ويكشف رصيدها المفلس.
المصدر: القدس العربي