الدكتاتورية تغذي الخيانات في فنزويلا
منذ محاولة الانقلاب على شافيز وحتي مادورو
- السيد التيجاني
- 5 يناير، 2026
- تقارير
- الولايات المتحدة, ترامب, شافيز, فنزويلا, مادورو
شهدت فنزويلا في عام 2002 محاولة انقلابية ضد الرئيس الراحل هوغو شافيز، وهي لحظة فارقة في تاريخ البلاد السياسي، حيث حاول مجموعة من العسكريين والسياسيين الإطاحة به. لكن الشعب الفنزويلي تصدى لهذه المحاولة، حيث حاصروا القصر الرئاسي وأجبروا القوات المتمردة على الانسحاب، مما مهد الطريق لعودة شافيز إلى السلطة بعد فترة قصيرة.
في الوقت الحالي، وبمقارنة بين النظامين، يظهر بعض التشابه في الأساليب، لكن هناك اختلافات جوهرية في كيفية ممارسة السلطة بين شافيز ومادورو، خاصة فيما يتعلق بالدكتاتورية وحقوق الإنسان.
محاولة الانقلاب ضد شافيز في 2002
في 11 أبريل 2002، شهدت فنزويلا محاولة انقلاب عسكري ضد الرئيس هوغو شافيز، وذلك بعد فترة من التوترات بين الحكومة والفئات المعارضة. أظهرت هذه المحاولة صورة حية لمدى تأثر السياسة الفنزويلية بالصراعات الداخلية بين الحكومة والمعارضة، بالإضافة إلى الاستقطاب الشديد في المجتمع.
في ذلك الوقت، واجه شافيز معارضة شرسة من قبل الطبقات العليا وبعض العسكريين، الذين اعتبروا أن سياسة شافيز اليسارية، التي تشمل التأميم وتوزيع الثروات النفطية على الفقراء،
تشكل تهديدًا لمصالحهم. ولكن عندما تم اعتقاله واحتجازه لفترة قصيرة، خرج الشعب الفنزويلي في الشوارع دعمًا لشافيز. على الرغم من أن الانقلاب بدا ناجحًا في البداية، إلا أن الشعب الفنزويلي تدفق إلى الشوارع، متحدين قوات الأمن التي كانت تسيطر على القصر الرئاسي، مما أجبر الانقلابيين على التراجع وأدى إلى عودة شافيز إلى الحكم.
كان ذلك لحظة تاريخية أظهرت قوة الشعب الفنزويلي في الدفاع عن قيادته التي كانت تحظى بشعبية واسعة، بالرغم من الخلافات السياسية.
نظام مادورو: الاستمرار والتوترات
منذ وفاة شافيز في 2013، تولى نيكولاس مادورو رئاسة فنزويلا. النظام الذي يقوده مادورو، رغم أنه جاء على أساس موروث من شافيز، واجه تحديات داخلية وخارجية كبيرة. كما أن مادورو يُتهم بتعميق الأزمة الاقتصادية والسياسية التي كانت قد بدأت في فترة شافيز بسبب تراجع أسعار النفط، الذي تعتمد عليه فنزويلا بشكل كبير.
تحت حكم مادورو، تعرضت فنزويلا لانقسامات أكثر حدة بين الحكومة والمعارضة. واجهت البلاد احتجاجات واسعة النطاق بسبب الانخفاض الحاد في مستويات المعيشة، بالإضافة إلى التضخم المتسارع والنقص في السلع الأساسية.
مع ذلك، استمر مادورو في استخدام القوة الأمنية لقمع المعارضين، وهو ما جعل نظامه يُوصف في كثير من الأحيان بـ”الدكتاتوري” نظرًا لسيطرته الشديدة على المؤسسات والموارد.
هل هو نظام دكتاتوري؟
إن الفرق بين نظام شافيز ونظام مادورو يكمن في كيفية تعاطي كليهما مع المعارضة وحقوق الإنسان. في حين أن شافيز استخدم سلطته بشكل حاسم في الدفاع عن مبادئه الاشتراكية، لكنه في النهاية تمكن من الحفاظ على مستوى من الشعبية بين فئات واسعة من الشعب، بما في ذلك الطبقات الفقيرة، عبر سياسات التوزيع العادل للثروات.
ورغم أن هناك من وصفوا حكمه بالاستبدادي، إلا أن شافيز كان يتمتع بدعم شعبي قوي، مما جعله يحتفظ بالشرعية السياسية إلى حد كبير.
أما مادورو، فقد واجه انتقادات شديدة بسبب أسلوبه في إدارة الأزمات الاقتصادية وتعامله مع المعارضة. على الرغم من أن مادورو حاول تنفيذ سياسات شافيز اليسارية، إلا أن سنوات حكمه كانت مليئة بالتقلبات السياسية والاقتصادية التي جعلت وضعه أكثر هشاشة من حيث الشرعية الشعبية. الاحتجاجات ضد حكومته كانت متزايدة.
كما أن القمع الأمني للمظاهرات المعارضة والملاحقات السياسية للمحتجين جعلت من مادورو شخصية محورية في النقاش حول الدكتاتورية في فنزويلا.
الخلاف بين النظامين
بالمقارنة، نجد أن شافيز كان يُعتبر شخصية ذات طابع كارزمي، يتمتع بشعبية واسعة بين طبقات الشعب المختلفة، وكانت له قدرة على حشد الجماهير والاحتفاظ بشرعية انتخابية قوية.
أما مادورو، فإن حكمه يواجه تحديات أكبر، حيث تعرضت حكومته لانتقادات من الداخل والخارج بسبب القمع وتزايد التدخلات العسكرية في شؤون البلاد.
على الرغم من أن مادورو يواصل السياسات الاشتراكية التي تبناها شافيز، فإن ما يميز حكمه عن حكم شافيز هو أنه يواجه معارضة أقوى في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي جعلت العديد من الفنزويليين يغادرون البلاد، ويشكو من تدهور الظروف المعيشية.
النظامين من حيث الدكتاتورية
إذا كان نظام شافيز قد شهد بعض التوترات مع المعارضة واستخدام السلطة بشكل حاسم، فإنه كان لا يزال يحظى بدعم شعبي كبير من قبل الطبقات الفقيرة. أما نظام مادورو، فقد شهد تدهورًا في هذه الشعبية وزيادة في التوترات مع الطبقات المعارضة التي تزايدت أعدادها على مر السنوات.
على الرغم من أن كليهما يمكن أن يُوصفان بالاستبدادي في بعض الجوانب، فإن نظام مادورو يُعتبر أكثر دكتاتورية في سياق تعاملاته مع المعارضة وحقوق الإنسان، حيث يعاني من شرعية ضعيفة ويستخدم الأساليب الأمنية القاسية في محاولات لقمع المظاهرات والاحتجاجات السياسية.
إذن، يمكن القول أن الفرق الجوهري بين النظامين يكمن في الاستجابة الشعبية والأزمة الاقتصادية، حيث كانت فترة حكم شافيز أكثر استقرارًا نسبيًا في مواجهة المعارضة مقارنةً بنظام مادورو الذي يواجه صعوبة في الحفاظ على السلطة في ظل الظروف الحالية.
وفقًا للخبراء، يعتبر التحول من شافيز إلى مادورو نقطة فارقة في الأزمة الفنزويلية.
د. أليخاندرو كاسيس، أستاذ العلاقات الدولية، يشير إلى أن شافيز كان قادرًا على توحيد الشعب والجيش بسبب شعبيته الكبيرة وسياساته الاجتماعية، بينما فشل مادورو في الحفاظ على نفس الدعم، مما دفعه إلى استخدام القوة المفرطة ضد المعارضة وزيادة الانقسامات الداخلية، ما سمح بالتدخلات الخارجية مثل ضغوط الولايات المتحدة.
من جهة أخرى، يعتقد لويس تريخاس أن مادورو، الذي تولى السلطة بعد شافيز، فشل في تجنب الخلافات الداخلية مع الجيش والمجتمع المدني، مما جعل النظام هشًا وسهلاً للاستغلال من قبل القوى العالمية.
أما ماريا فيرجينيا روبلز، المحللة الاقتصادية، فتؤكد أن الأزمة الاقتصادية تحت حكم مادورو تعود إلى سوء الإدارة وانخفاض أسعار النفط. فقد تمكن شافيز من مواجهة الأزمة بطريقة غير تقليدية، بينما فشل مادورو في تحديث السياسات أو تقديم حلول فعالة.
إدواردو لونا يضيف أن النظام تحت حكم مادورو عانى من تزايد التوترات الداخلية، ما أثر سلبًا على الوحدة الوطنية. هذا الضعف الداخلي جعل فنزويلا عرضة لتدخلات القوى الخارجية، وخاصة الولايات المتحدة.
أما روبن سوتو فيرى أن النظام الفنزويلي أصبح أكثر ضعفًا مع مرور الوقت، وأدى غياب الدعم الشعبي إلى تحويل فنزويلا إلى ساحة لصراع القوى الدولية.
في النهاية، تتفق الآراء على أن فنزويلا تحت حكم مادورو أصبحت أكثر عرضة للتدخلات الخارجية بسبب تزايد القمع الداخلي وضعف الشرعية الشعبية، مما يهدد استقرار النظام.