“الدبلوماسية العائمة” تصطدم بجليد القطب الشمالي
سلطات غرينلاند ترد على ترامب وتتمسك بسيادتها الصحية
الرائد: قوبل عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإرسال “مستشفى عائم” إلى غرينلاند برفض رسمي قاطع من سلطات الجزيرة والحكومة الدنماركية، في خطوة وصفتها الأوساط السياسية بأنها تأكيد جديد على سيادة الجزيرة واستقلالية نظامها الصحي.
وصرح رئيس وزراء غرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، رداً على المقترح الأمريكي: “لا شكراً.. نظامنا الصحي العام كافٍ ومتاح مجاناً للجميع، وهو جوهر مجتمعنا، بخلاف النظام الأمريكي القائم على التأمين”.
من جانبها، ساندت الدنمارك هذا الموقف، حيث أكد وزير دفاعها أن أي نقص في الرعاية المتخصصة يتم تغطيته عبر المؤسسات الطبية الدنماركية، مشدداً على أن الجزيرة لا تحتاج لتدخلات صحية خارجية.
وجاء هذا الرفض بعد أن أعلن ترامب عبر منصته “تروث سوشيال” عن رغبته في إرسال سفينة طبية، مدعياً وجود تقصير في رعاية المرضى بالجزيرة، وذلك في أعقاب حادثة إجلاء طبي قامت بها القوات الدنماركية لبحار أمريكي من غواصة قريبة من سواحل غرينلاند.
ويرى مراقبون أن هذا العرض الأمريكي ليس مجرد بادرة إنسانية، بل يندرج ضمن طموحات واشنطن المستمرة لتعزيز نفوذها الاستراتيجي في القطب الشمالي، وهو ما تقابله كوبنهاجن ونوك بحذر شديد.
بداية القصة: إجلاء طبي يفتح شهية “الاستحواذ”
بدأت خيوط الأزمة في الحادي والعشرين من فبراير 2026، عندما نفذت القوات الدنماركية عملية إجلاء طبي ناجحة لبحار أمريكي من غواصة كانت تبحر قرب سواحل غرينلاند .
هذه الحادثة، التي كانت لتمر كإجراء روتيني، تلقفها الرئيس ترامب ليعلن عبر منصته “تروث سوشيال” أن سكان الجزيرة يعانون من نقص في الرعاية الصحية، معلناً عزمه إرسال سفينة طبية تابعة للبحرية الأمريكية لـ “إنقاذ الوضع”
الرد الرسمي: “سيادتنا ليست للبيع”
في صبيحة اليوم التالي، الأحد 22 فبراير، جاء الرد حاسماً من رئيس وزراء غرينلاند، ينس فريدريك نيلسن. لم يكتفِ نيلسن بالرفض، بل وجه انتقاداً مبطناً للنظام الصحي الأمريكي قائلاً: “نظامنا الصحي مجاني وشامل، وهو ركيزة مجتمعنا.. لسنا بحاجة لمستشفيات تقوم على التأمين والمدفوعات” .
الدنمارك من جهتها، وعبر وزير دفاعها ترويلس لوند بولسن، أكدت أن البنية التحتية الطبية في الجزيرة، مدعومةً بالمنظومة الدنماركية المتطورة، قادرة تماماً على تلبية احتياجات السكان، ولا مجال لمبادرات “عشوائية” تُعلن عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
خلفيات الصراع: أكثر من مجرد “مستشفى”
يرى مراقبون أن عرض “المستشفى العائم” ليس إلا حلقة جديدة في مسلسل طموحات ترامب القديمة المتجددة تجاه الجزيرة. فمنذ محاولته الأولى لشرائها عام 2019، التي وصفها بـ “الصفقة العقارية الكبرى”، وحتى تهديداته مطلع عام 2026 بفرض ضرائب عقابية على أوروبا لإجبار الدنمارك على التنازل عنها، يظل الهدف واحداً: السيطرة على كنوز القطب الشمالي .
لماذا يصر ترامب على غرينلاند؟
المعادن النادرة: تحتوي الجزيرة على احتياطات هائلة تُعد حاسمة للصناعات التكنولوجية والعسكرية .
الموقع الاستراتيجي: تمثل غرينلاند “حاملة طائرات ثابتة” لمواجهة النفوذ الروسي والصيني المتصاعد في القطب الشمالي .
الإرث السياسي: يسعى ترامب لتسجيل اسمه تاريخياً بجانب الرؤساء الذين وسعوا رقعة الولايات المتحدة .
دبلوماسية الضغط مقابل الصمود الجليدي
بينما كانت سفن المستشفيات الأمريكية (Comfort وMercy) لا تزال راسية في أحواضها بألاباما ، كانت الرسالة من غرينلاند قد وصلت بالفعل: الجزيرة ليست مجرد عقار، وصحة سكانها ليست بوابة للعبور السياسي.
ومع ذلك، يظل التساؤل قائماً: هل يتقبل ترامب هذا الرفض، أم سيعاود الكرة عبر ضغوط اقتصادية جديدة، خاصة مع اقتراب القمة المقبلة للناتو؟