الحرب الإيرانية بعيون جاكرتا.. سياسة الحياد الحذر
في وقت تتصاعد فيه نذر المواجهة
- السيد التيجاني
- 23 مارس، 2026
- تقارير
- إندونيسيا, الحرب علي ايران, الشرق الأوسط, جاكرتا, صراعات دولية
تنظر إندونيسيا، أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، إلى الحرب على إيران من زاوية مركّبة تجمع بين الاعتبارات الدينية، والسياسية، والاقتصادية، فضلًا عن موقعها الجيوسياسي كدولة تسعى للحفاظ على سياسة خارجية متوازنة.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن اختزال الموقف الإندونيسي في تأييد أو رفض مطلق، بل هو أقرب إلى “دبلوماسية الحذر” التي تحاول تجنب الانخراط في صراعات الاستقطاب الدولي.
ويؤكد الباحث الإندونيسي دينو باتي جلال أن “جاكرتا تدرك أن أي انحياز حاد سيكلفها استراتيجيًا، لذا فهي تفضل البقاء في منطقة التوازن”.
الموقف الرسمي بين المبادئ وضغوط الواقع
من الناحية الرسمية، تلتزم جاكرتا بمبدأ ثابت في سياستها الخارجية، وهو رفض الحروب والدعوة إلى الحلول السلمية.
هذا الموقف ينبع من إرث تاريخي مرتبط بحركة عدم الانحياز، التي كانت إندونيسيا أحد مؤسسيها، وهو ما يجعلها بطبيعتها تميل إلى التهدئة بدل الاصطفاف. لذلك، فإن أي تصعيد عسكري ضد إيران يُقابل ببيانات إندونيسية تدعو إلى ضبط النفس، واحترام سيادة الدول، والعودة إلى طاولة المفاوضات.
وترى الخبيرة في العلاقات الدولية ريتنا مارسودي أن “المنطقة لا تحتمل حربًا جديدة، وأن الحلول العسكرية لن تجلب سوى مزيد من عدم الاستقرار”، وهو موقف يعكس الخطاب الرسمي الإندونيسي المتكرر في الأزمات الدولية.
الاقتصاد والطاقة… هاجس خفي يوجه السياسة
لكن خلف هذا الخطاب الدبلوماسي، توجد اعتبارات أعمق. فإندونيسيا، رغم بعدها الجغرافي عن الشرق الأوسط، تدرك أن أي حرب واسعة على إيران ستؤثر بشكل مباشر على استقرار أسواق الطاقة العالمية. وهي دولة مستوردة للنفط، وبالتالي فإن ارتفاع الأسعار نتيجة التصعيد سيؤثر على اقتصادها الداخلي، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالتضخم ودعم الوقود.
ويشير الخبير الاقتصادي شاتيب بصري إلى أن “أي اضطراب في مضيق هرمز سينعكس فورًا على الموازنة الإندونيسية”، مضيفًا أن الحكومة تراقب تطورات الحرب من زاوية تكلفة الطاقة أكثر من أي اعتبار آخر.
الرأي العام بين التعاطف والقلق
على المستوى الشعبي، يختلف المشهد قليلًا. فالمجتمع الإندونيسي، الذي يغلب عليه الطابع السني، لا ينظر إلى إيران من منظور مذهبي بحت، بل من زاوية أوسع تتعلق بمناهضة الهيمنة الغربية، خاصة الأمريكية. لذلك، تميل قطاعات من الرأي العام إلى التعاطف مع إيران باعتبارها طرفًا يتعرض لضغوط دولية.
ويقول الأكاديمي أريف بوديمان إن “التعاطف الشعبي مع إيران لا ينبع من اتفاق أيديولوجي، بل من حس تاريخي رافض للتدخل الخارجي”.
في المقابل، هناك تيارات أخرى داخل إندونيسيا تبدي قلقًا من سياسات إيران الإقليمية، وترى أن استقرار الشرق الأوسط يتطلب الحد من النفوذ الإيراني، لكنها ترفض في الوقت ذاته الخيار العسكري.
توازن العلاقات الدولية ومخاوف الأمن الإقليمي
إندونيسيا أيضًا تراقب الموقف من زاوية علاقتها بالقوى الكبرى. فهي تحافظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته تسعى لتعزيز تعاونها مع الصين، ما يجعلها حذرة من الانزلاق إلى صراع دولي أوسع. سياستها تقوم على “عدم الانحياز النشط”، أي الحفاظ على علاقات متوازنة دون الانجرار إلى محاور متصارعة.
ويحذر الباحث الأمني سوسيلو بامبانغ يودويونو من أن “أي حرب طويلة على إيران قد تعيد تنشيط شبكات التطرف في جنوب شرق آسيا”، مشيرًا إلى أن تداعيات الصراع لا تقف عند حدود الشرق الأوسط.
في المحصلة، يمكن القول إن إندونيسيا تنظر إلى الحرب على إيران من منظور براغماتي حذر. فهي ترفض التصعيد من حيث المبدأ، وتخشى تداعياته الاقتصادية والأمنية، وتحاول في الوقت نفسه الحفاظ على توازن علاقاتها الدولية.
هذا الموقف يعكس طبيعة السياسة الخارجية الإندونيسية التي تقوم على تجنب الصدام، والسعي إلى الاستقرار، حتى في أكثر القضايا تعقيدًا.
وبينما قد لا تكون جاكرتا لاعبًا رئيسيًا في هذا الصراع، فإن موقفها يعكس صوتًا مهمًا داخل العالم الإسلامي، صوتًا يدعو إلى العقلانية والتهدئة في وقت تتصاعد فيه نذر المواجهة.