الجولة المقبلة من الحرب بين إيران وإسرائيل (مقال)

قادة أمريكا وإسرائيل في مأزق حرج

مصطفى السعيد

قادة الولايات المتحدة وإسرائيل في مأزق حرج، فبعد تأكيدهم المتكرر على نجاحهم في تدمير البرنامج النووي الإيراني، لا يمكنهم المطالبة بالتفاوض على تقييد البرنامج، الذي قالوا إنه عاد سنوات إلى الوراء، وتبين أن تصريحاتهم مبالغ فيها جدا، وأنه منح إيران الفرصة لوقف المفاوضات، ومنع مفتشي وكالة الطاقة الذرية من مراقبة نشاط المواقع النووية. لهذا بدأت أصوات داخل إسرائيل والولايات المتحدة تتحدث عن ضرورة استكمال الحرب مع إيران، وأن عملية غير مكتملة سيكون لها أضرار بالغة، فهل تستطيع إسرائيل والولايات المتحدة شن عملية عسكرية وشيكة على إيران؟ الأمر ليس سهلا، فالضربة الأخيرة استغرق الإعداد لها سنوات، حسب تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، واستخدمت معظم العملاء والجواسيس، وسقط المئات منهم في أيدي المخابرات الإيرانية. كما جرى استخدام مسارات متعددة للهجوم، لن يكون من السهل إعادة إستخدامها، وكشفت عن القدرات الإسرائيلية والأمريكية، وتجري إيران عمليات للتقييم والإستعداد لجولة جديدة من المعارك، وتشير تقارير عدة إلى أن إيران استقبلت طائرات شحن عسكرية من الصين وروسيا، بالإضافة إلى ما يمكن أن يصل إيران برا أو بحرا، وأعلنت إيران عن إستعادة قوة دفاعها الجوي، بل ستحسنه وتضيف إليه، خاصة اكتشاف أن نقطة الضعف تكمن في عدم ترابط منظوماتها في الدفاع الجوي، وأنها كانت تفضل منظومات أنتجتها محليا عن الإستيراد، سواء في الدفاع الجوي أو الطائرات الحربية، ولديها بالفعل منظومات متطورة ومتنوعة لكل الإرتفاعات والأهداف، والمرجح أن تعززها، سواء بمنظومات صينية وروسية أو بعض الأجزاء مثل الرادارات، وشبكة الربط بينها. وكذلك اختبرت إيران صاروخ “خورمشهر 5” الذي يصل مداه إلى 12 ألف كيلومتر، ويصل إلى الولايات المتحدة، وليس أوروبا فقط، وسرعته في الفضاء 16 ماخ، وداخل الغلاف الجوي 8 ماخ، أي يصعب جدا إسقاطه، خاصة أنه متعدد الرؤوس، ويبلغ وزن متفجراته 2 طن، وخارق للتحصينات، بما يهدد موقع ديمونة النووي والقواعد الأمريكية والاستراتيجية داخل الولايات المتحدة. وكانت إيران قد كشفت عن أجزاء من مدنها العسكرية تحت الجبال، والتي تضم وحدات صاروخية مطارات ومصانع أسلحة ومتفجرات وطائرات مسيرة، وبها خطوط سكك حديدية وأنفاق تربط بين الوحدات المنتشرة على مختلف محافظات إيران، وهذا يعني أن معظم القوات العسكرية والصناعات الحربية والمخازن لا يمكن أن تصلها القنابل الأمريكية الخارقة للتحصينات. لكن ما يؤرق إسرائيل والولايات المتحدة ما إذا كانت إيران امتلكت قنبلة نووية أو في طريقها إلى ذلك؟، وهو سؤال ليس لدى أحد إجابة قاطعة عليه، لأن الكثير من المنشآت الإيرانية غير معروف، ومقام تحت الجبال، ولهذا ستظل إيران دولة غموض نووي في الحد الأدنى، لأنها تمتلك كل مقومات إنتاج القنابل النووية، لهذا دخلت دول الإتحاد الأوروبي في مباحثات مع إيران للعودة إلى المفاوضات، وقدمت إيران مطالب بتعويضات وضمانات بعدم الإعتداء ورفع العقوبات، وهي مطالب لا يمكن أن تقبل بها الولايات المتحدة وإسرائيل، وتفتح الباب أمام دخول حرب مؤكدة المخاطر، أما التراجع الذي يعد بمثابة هزيمة سيكون له تداعياته، خاصة مع دخول الصين وروسيا على خط الأزمة، وعقد لقاء بين الأطراف الثلاثة في طهران، سبقه مناورات مشتركة بين روسيا وإيران في بحر قزوين، ودخول اتفاقية التعاون الإستراتيجي بين إيران وروسيا حيز التنفيذ. إن إسرائيل تعتمد على قدرات الولايت المتحدة وأوروبا وشركاء آخرين، أي أنها مدعومة من القوى العظمى بشكل مطلق وواضح، لكنها مازالت غير قادرة على حسم نتائج حروبها، التي اعتمدت على العمليات المخابراتية بشكل أساسي، سواء في لبنان أو سوريا أو إيران، لكنها لم تكسب الحرب حتى في غزة، ولهذا تدرك أنها في مأزق، خاصة أنها الطرف الذي طلب إيقاف الحرب مع إيران قبل أن تحقق أيا من أهدافها، لهذا فإن الجولة المقبلة ستكون أصعب بكثير، والتكلفة مضاعفة والجبهات قابلة للتوسع، وهو ما يجعل إدارة ترامب مترددة في أي خطوة، لأنها ستكون مضطرة لخوض حرب طويلة وصعبة، تستنزف الكثير من قدراتها، في وقت تواجه فيه أزمات داخلية وحروبا إقتصادية، وربما عسكرية. المرجح هنا أن تحاول إدارة ترامب أن تلجأ للوسطاء، إلى جانب التلويح مجددا بعقوبات إقتصادية أكثر قسوة، لكن إيران اجتازت الكثير جدا من العقوبات الإقتصادية لمدة تتجاوز 40 عاما، ولهذا لن تخشى المزيد منها، خاصة في ظل علاقاتها القوية بكل من الصين وروسيا، وعضويتها في منظمتي شنجهاي والبريكس. وهذا يعني أننا أمام حرب مفتوحة وطويلة، وأن قدرات الغرب الأوروبي والأمريكي ودرتهما إسرائيل تتآكل رغم الشراسة المتزايدة، التي تؤكد أن المأزق بلغ ذروته، وأن تحولات جديدة في موازين القوى باتت وشيكة.