الجزائر عندما زرع الرأس من دون أن يرى (مقال)

سحبت الملفات الحساسة وأعيد توزيع الصلاحيات

أحمد أوزيوي

استبدال الرأس القيادي للمخابرات الجزائرية كأحد أكثر النماذج تعقيدا وذكاء في تفكيك الدولة العميقة Deep State Dismantling دون انهيار الدولة الرسمية في عهد مول المكحلة القايد صالح رحمه الله… حين أُقيل الجنرال توفيق في خريف 2015، لم يكن الأمر مجرد نهاية عهد بل إعلان حرب استخباراتية ضد بنية ظلت تحكم الدولة من الخلف لأكثر من عشرين عاما.

سقط الرأس التاريخي ..ولكن الجسد ما زال ينبض داخل مفاصل الدولة عبر شبكات الإعلام، الاقتصاد، القضاء، والولاءات المؤسسية… لقد فُكِّكت النواة، لكن رأسها الحقيقي ظل مطلوبا للاستبدال… بشرط ألا يُرى…هنا، قرّرت قيادات الأركان تحت إشراف الفريق أحمد قايد صالح، تطبيق الزرع الشبحي للرأس Ghost Head Implantation…

وهي عملية لا يُختار فيها الرأس عبر الإعلان، بل عبر التجذر… لا يُفرض من الخارج بل يُستخرج من أعماق النسيج الاستخباراتي، ويُزرع بصمت في مركز القرار دون أن يراه أحد… رأس لا يحمل اسما، بل يحمل وظيفة: الاسترجاع الكامل للقرار السيادي من يد الجهاز نفسه..

.الجنرال بشير طرطاق لم يكن إلا مرحلة انتقالية، أو بالأدق غطاء تموهيًا انتقاليا Transitional Camouflage Cover يُستخدم لإعادة انتشار وحدات الجهاز، وإفراغ مراكز القوة القديمة من حمولتها العقائدية، دون إثارة جلبة داخلية قد تُفجّر مقاومة مبكرة… لقد فُكِّكت المفاصل واحدا تلو الآخر، بينما الرأس الجديد يُنبت جذوره في الظل… وبين 2016 و2019، تولّت خلايا أمنية موالية للعقيدة العسكرية الجديدة إعادة هندسة الجهاز من الداخل، وفق استراتيجية التفكيك الهادئ Quiet Demolition Strategy…

أُعيد توزيع الصلاحيات، سُحبت الملفات الحساسة من مكاتب الولاء القديم، وأُنشئت فرق استخباراتية تعمل بإمرة القيادة العليا مباشرة، تحت غطاء تقني أو تنظيمي… ولم يكن هذا الرأس الجديد بحاجة إلى واجهة إعلامية، لأنّ وظيفته كانت الصمت… والتحكم…ثم جاءت لحظة الحراك الشعبي، فلم يكن الجهاز الأمني مفككا كما تصوّر البعض، بل كان قد اكتمل استنبات الرأس فيه…

فسُحبت ملفات الحراك من يد الشرطة السياسية وأُحيلت إلى أجهزة أخرى أكثر تحكما، وأكثر قُربا من القيادة… واعتُقل كبار رؤوس الدولة العميقة توفيق، طرطاق، السعيد بوتفليقة، ثم أُطلق سراحهم لاحقا لأسباب سياسية… لكنّ الرسالة وصلت الرأس الجديد قد زُرِع، وهو من يحكم الآن، دون أن يتكلّم… هذا الرأس الجديد ليس شخصا واحدا، بل مصفوفة قيادة استخباراتية Security Command Matrix، موزعة بين الأمن الداخلي، الأمن الخارجي، والاستخبارات العسكرية، مرتبطة مباشرة بهرم القيادة السيادية، لا تخضع لسلطة موازية، ولا ترتبط بجناح سياسي… وقد شُرع في استخدام هندسة الثقة المعلوماتية Controlled Trust Engineering، وهي أن لا يُعطى لأحد في الجهاز أكثر مما يحتاج، ولا يعرف أحد مصدر القرار الحقيقي… إلا دوائر محددة….لقد زُرِع الرأس دون أن يُرى،… ولأنّ الجزائر في تلك المرحلة لم تكن تحتاج قائدا ميدانيا يظهر في الصور، بل عقلا شبحيا يراقب مفاصل الدولة دون أن يُشعِرها بوجوده… إنها إعادة تعريف لوظيفة الرأس الاستخباراتي، لا بوصفه مديرا، بل بوصفه ضامنا للصمت والضبط والانضباط… وإذا كان البعض اليوم يظن أن الجهاز قد تم تهميشه، فذلك يعني أن الرأس قد نجح… لأنّ الرأس الحقيقي لا يظهر إلا حين يسقط.. وما دام لا يُرى فمعناه أنه يحكم.

الأستاذ أحمد أوزيوي