التقارب بين تركيا ودول عربية وحصار جيوسياسي للاحتلال وتطورات الداخل

حوار مع الكاتب والمفكر التركي حمزة تكين

المحور الأول: الزيارة اللبنانية وانطلاق “القطار الجيوسياسي 

علاء الصالح: في توقيت مفصلي من تاريخ المنطقة، اختتم الرئيس اللبناني جوزيف عون زيارته إلى تركيا، واصفاً إياها بأنها “تأخرت”. هل أدرك لبنان أخيراً حجم الثقل التركي وركب “القطار السوري-التركي” الذي تحدثنا عنه سابقاً؟

حمزة تكين:  نعم، أدرك لبنان اليوم هذه الحقيقة. وقد كان واضحاً مما قاله الرئيس عون شخصياً في أنقرة أمام الإعلام، حيث اعترف بأن الزيارة تأخرت. هذا التأخر كان بسبب حاجة لبنان لتوقيع اتفاقيات وفهم مسار الأمور في المنطقة مع تركيا، التي تمتلك ثقلاً جيوسياسياً هائلاً ودوراً متنامياً. واليوم، أستطيع أن أؤكد أن لبنان سينضم إلى “سكة الحجاز الحديدية” ليس فقط دبلوماسياً، بل مادياً على الأرض. سيتم إحياء هذا الخط من إسطنبول وصولاً إلى سلطنة عمان، وسينضم لبنان إليه من مدينة طرابلس، لترتبط فعلياً بإسطنبول والمدينة المنورة ومكة.

علاء الصالح: هذا يعني مشاريع ضخمة. ولكن لماذا طرابلس بالتحديد؟ وهل ستواجه هذه الخطوة عراقيل، خاصة أن بعض المسؤولين اللبنانيين كانوا مُنعوا في السابق من زيارة تركيا؟

حمزة تكين: لأن طرابلس تمتلك مؤسسات استراتيجية متوقفة عن العمل بطاقتها الحقيقية. تركيا ستدعم تأهيل “ميناء طرابلس”، وتعزيز “مصفاة النفط” الموجودة هناك لاستقبال النفط العراقي عبر الأراضي السورية. هذه مشاريع اقتصادية ثلاثية تدعمها تركيا. ورغم أن هناك دائماً عراقيل لأية مشاريع إيجابية، إلا أن السكة بدأت تتحسن. لقد أدرك بعض المسؤولين اللبنانيين أنه لا يمكن تجاوز الدور التركي إقليمياً ودولياً، خاصة في ظل التنسيق والدعم الأمريكي لتركيا في المنطقة. نحن أمام صفحة جديدة تفرضها الوقائع التاريخية والضرورات الجيوسياسية.

 المحور الثاني: البعد الأمني والحصار الجيوسياسي للاحتلال 

علاء الصالح: كان البعد الأمني والعسكري لافتاً جداً في تصريحات الرئيسين. ما هو الدور التركي المرتقب في لبنان؟ وهل سيسمح الاحتلال الإسرائيلي بذلك؟

حمزة تكين:  إذا انتظرنا موافقة إسرائيل، فهذه مصيبة! الاحتلال منزعج جداً من الدور التركي ويصرح بذلك علناً. ولكن انظر إلى الخريطة الجيوسياسية: تركيا تعزز علاقاتها مع العراق، سوريا، لبنان، الأردن، مصر، ليبيا، والسعودية. من بقي في الوسط؟ الاحتلال الإسرائيلي! تركيا تتبع سياسة لمحاصرة هذا الاحتلال عبر هذه التحالفات المحيطة بأرض فلسطين. وهذا يزعج نتنياهو أكثر من طائرات إف-35. وفي رسالة واضحة للقدرات التركية، كشفت أنقرة مؤخراً عن مرحلة جديدة في تطوير طائرتها النفاثة المسيرة “قآن” (Kızılelma) التي توازي بتكنولوجيتها طائرة إف-35، وسيكون محركها تركياً خالصاً خلال عام ونصف.

علاء الصالح: هل يمكن أن نرى قوات تركية في لبنان، ربما بدلاً عن قوات “اليونيفيل”؟

حمزة تكين: هذا المقترح موجود، وأردوغان أعلن صراحة خلال المؤتمر الصحفي مع الرئيس عون أن تركيا تريد المشاركة في هذه القوات في حال تم الاتفاق عليها ولم يُمدد لـ “اليونيفيل”. تركيا موجودة أصلاً في “اليونيفيل” عبر القوة البحرية، وسفننا الحربية موجودة قبالة الجنوب اللبناني. الاحتلال الإسرائيلي يسعى ويرفض التواجد التركي في غزة ولبنان، ويقبل بأي قوة أخرى، لكنه لا يستطيع تغيير هذه المعادلة.

علاء الصالح: كانت فرنسا تلعب دور العائق، وتؤثر على بعض المسؤولين اللبنانيين لمنع الانفتاح على تركيا. هل أزيلت هذه العقبة الفرنسية؟

حمزة تكين:  للأسف، فرنسا لم تقدم للمنطقة أي مصلحة إيجابية منذ حقبة الانتداب. لا يزال هناك عمى جيوسياسي فرنسي وأحقاد تاريخية تمنعهم من رؤية مصلحة لبنان في التنسيق مع تركيا. ولكن رغم ذلك، لم يعد يستطيع أحد في المنطقة تجاوز الدور التركي. العلاقات اليوم قائمة على المصالح المشتركة والربح المتبادل.

 المحور الثالث: المثلث “التركي-السوري-اللبناني” ونفي الشائعات 

علاء الصالح: سوريا حاضرة بقوة في هذه العلاقة، والرئيس أردوغان أكد أن أمن تركيا يبدأ من بيروت وحلب. كيف تقيمون الدور التركي في تشجيع الحوار بين بيروت ودمشق؟ وهل صحة ما يُروج عن تدخل عسكري سوري-تركي في لبنان؟

حمزة تكين: تركيا هي المشجع الأوحد للحوار بين دمشق وبيروت، وتعمل دبلوماسياً على حل الخلافات الحدودية والاقتصادية بين البلدين. أما بالنسبة لشائعات “دخول جيش سوري-تركي إلى لبنان”، فهذا السيناريو لن يحصل لسببين: الأول هو الرفض التركي التام لأنه يضر بلبنان وسوريا. والثاني هو الموقف السوري الإيجابي والرسمي والشعبي الذي يؤكد عدم التدخل العسكري في لبنان. ما تروجه بعض الفئات على مواقع التواصل هو مجرد تضليل.

علاء الصالح: حزب الله كان حاضراً أيضاً في لقاء أردوغان-عون. كيف تتعامل الدبلوماسية التركية مع هذا الملف الداخلي الحساس لمنع أي صدام؟

حمزة تكين: تركيا حريصة جداً على حل المشاكل الداخلية في لبنان، لأن أي إشكال داخلي سينعكس سلباً على ملفات البحر والطاقة والتنمية الاقتصادية التي تدعمها أنقرة. الدبلوماسية التركية تحاول تذليل العقبات ومنع وقوع أي صدام داخلي لبناني-لبناني، أو سوري-لبناني.

المحور الرابع: المشهد الداخلي التركي وتفكك المعارضة 

علاء الصالح: لننتقل إلى الشأن الداخلي التركي. الدكتور أحمد داود أوغلو أعلن حل “حزب المستقبل”. هل هو اعتزال للسياسة أم أنها مهمة أنجزها وانسحب؟

حمزة تكين:  هذا القرار يؤكد التضعضع الكبير في المعارضة التركية. “الطاولة السداسية” أصبحت في ذمة التاريخ. داود أوغلو فشل على مدار سنوات في استقطاب القاعدة الشعبية المحافظة لحزب العدالة والتنمية، وذهب إلى المعارضة المتطرفة. وفي بيانه لحل الحزب، ادعى أن تركيا “ملوثة سياسياً” وكأنه هو الطوباوي والقديس! هذا الخطاب غير صحيح وانتُقد بشدة، لأن أردوغان وصل ديمقراطياً بنسبة 52%. الأفضل لداود أوغلو حالياً أن يجلس في بيته، فحزبه لم يكن له أي مستقبل في السياسة التركية.

علاء الصالح: في المقابل، لفت الأنظار “أوزغور أوزال” عندما ظهر وهو يتوضأ للصلاة أثناء إعلانه عن تأسيس كتلة حزبية جديدة، وهو المعروف بفكره العلماني. كيف تقرأ هذه الرسالة؟

حمزة تكين: هذه اللقطة تؤكد إلى أين عادت تركيا بفضل سياسة حزب العدالة والتنمية. اليوم، من يريد جذب القاعدة الشعبية التركية مضطر للعودة إلى جذور هذا الشعب الإسلامية. شخص علماني يتوضأ أمام الكاميرات ليصلي، في محاولة لاستمالة القاعدة المحافظة. برأيي، أوزغور أوزال أذكى من أحمد داود أوغلو بأشواط، وقد استثمر الأوراق بشكل أفضل، بينما أضاع داود أوغلو كل الفرص التي أُوكلت إليه في الماضي.

تم تفريغ الحوار من خلال منصة القناة التاسعة الفضائية

اترك تعليقا