منع الصحفيين من دخول غزة طعنة في خاصرة الحقيقة
بوابات القطاع مغلقة أمام التغطية المستقلة
- السيد التيجاني
- 1 نوفمبر، 2025
- اخبار عربية, تقارير
- إسرائيل, حماس, غزة, منع الصحفيين
منذ بداية الحرب الأخيرة على غزة في أكتوبر 2023، تحوّلت المعابر إلى خطوط حمراء أمام الصحفيين الدوليين.
القرار الإسرائيلي بمنع دخول الصحفيين الأجانب إلى القطاع لم يكن مؤقتًا كما وُصف في البداية، بل أصبح قاعدة مستمرة تُطبق حتى اليوم.
المشهد عند معبر إيرز يبدو ثابتًا: سيارات إعلامية متوقفة منذ شهور، وتصاريح لا تُصدر، ورسائل رفض تُرسل بعبارات مقتضبة مثل «لأسباب أمنية».
لكن خلف هذه العبارة، تختبئ أزمة أوسع تتعلق بحرية الصحافة وحق العالم في المعرفة.
المنع شمل أيضًا بعض المؤسسات التي كانت تمتلك مكاتب داخل إسرائيل. حتى فرق من وكالات كبرى مثل “رويترز” و”بي بي سي” و”فرانس برس” لم تُمنح أي تصاريح للدخول.
يقول أحد مسؤولي الإعلام في غزة: «الصحفيون هنا ليسوا فقط محاصرين، بل مُستهدفين بالصمت».
ومع غياب الصحفيين الأجانب، بقيت الصورة من داخل غزة تُنقل فقط عبر عدسات الصحفيين الفلسطينيين، الذين يعملون في ظروف لا يمكن وصفها إلا بالمستحيلة.
الكهرباء شبه معدومة، الإنترنت متقطع، والوقود نادر، ومع ذلك يستمرون في نقل الأخبار، غالبًا عبر هواتفهم المحمولة.
أحد المصورين المحليين كتب على صفحته: «أعمل وأنا لا أعرف إن كنت سأعيش حتى أرسل الصورة التالية».
أصوات غاضبة وردود متباينة
أثار القرار موجة واسعة من الاستنكار في الأوساط الصحفية والحقوقية حول العالم.
رابطة الصحافة الأجنبية في إسرائيل وصفت الحكم الأخير للمحكمة العليا الإسرائيلية بالسماح باستمرار المنع بأنه “طعنة في خاصرة حرية الإعلام”.
المنظمات الحقوقية، مثل مراسلون بلا حدود ولجنة حماية الصحفيين (CPJ)، أصدرت بيانات متكررة تطالب برفع الحظر فورًا، معتبرة أن «التعتيم الإعلامي يُعد شكلًا من أشكال الحرب».
في المقابل، تقول الحكومة الإسرائيلية إن القرار يأتي لحماية الصحفيين من «المخاطر الميدانية» ولمنع «استغلال الحرب لأغراض دعائية».
لكن هذا التبرير لم يُقنع كثيرين.
صحفيون غربيون اعتبروا أن الهدف الحقيقي هو منع العالم من رؤية ما يحدث في غزة.
مراسلة أمريكية كتبت: «في كل حرب، تكون أولى الضحايا هي الحقيقة. لكن في غزة، الحقيقة لم يُسمح لها حتى بالدخول».
السلطة الفلسطينية وحركة حماس أدانتا القرار بشدة.
بيان وزارة الإعلام في رام الله اعتبر المنع “جريمة بحق الوعي الإنساني”، بينما وصفت حماس الأمر بأنه “تعتيم متعمّد لإخفاء الجرائم”.
أما داخل إسرائيل، فبعض الصحفيين المحليين عبّروا عن قلقهم من هذه السياسة.
كتب أحد المعلقين الإسرائيليين في صحيفة “هآرتس”: «حين تُمنع الكاميرات، تُفتح أبواب الكذب».
وفي الجانب الآخر، يرى مؤيدون للحكومة أن الحرب ليست مجالًا مفتوحًا للتغطية، وأن السماح بدخول الصحفيين الأجانب قد يُعرّضهم للخطر أو يُستغل سياسيًا ضد إسرائيل.
الحقيقة تحت الركام
داخل غزة، يعيش الصحفيون الفلسطينيون واحدة من أصعب المراحل في تاريخ الإعلام الحديث.
أكثر من مئتي صحفي قُتلوا منذ بداية الحرب، وفق إحصاءات نقابة الصحفيين الفلسطينيين.
البقية يعملون بلا معدات كافية، بلا مأوى في كثير من الأحيان، وبعضهم فقد أسرته أو منزله لكنه ما زال يُغطي الأخبار.
يقول المصور سامر أبو ناصر: «أصور وأنا أفكر في أطفالي الذين لا أستطيع الوصول إليهم، لكن العدسة سلاحي الوحيد».
ومع غياب الإعلام الدولي، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي المنفذ الأساسي لنقل الأحداث.
مقاطع قصيرة تُصور بالقليل من الضوء والبطاريات، تنتشر بسرعة، وتشكّل رواية بديلة للواقع الذي يُمنع الإعلام التقليدي من توثيقه.
منظمات الأمم المتحدة أبدت قلقًا من أن استمرار التعتيم الإعلامي سيؤدي إلى «انهيار الثقة بالمصادر الرسمية» ويجعل التحقق من الوقائع أكثر صعوبة.
وفي تقارير حديثة، أشارت وسائل إعلام أوروبية إلى أن «منع الصحافة الأجنبية من دخول غزة هو أكبر تضييق على العمل الإعلامي في القرن الحادي والعشرين».
في المقابل، تحاول وسائل الإعلام الكبرى الالتفاف على المنع عبر التعاون مع مراسلين محليين داخل القطاع.
لكن هؤلاء المراسلين يواجهون مخاطر مضاعفة، فهم يحملون الكاميرا في منطقة مستهدفة، ويمثلون المصدر الوحيد للمعلومة في الوقت نفسه.
أحد المراسلين المحليين وصف الوضع قائلاً:
> «كأننا نحفر بأيدينا في جدار من الصمت… نحاول أن نُسمع العالم، لكن الجدار يعلو كل يوم».
المنع لم يؤثر فقط على الإعلام، بل على الوعي الدولي بأكمله.
تقارير حقوقية تشير إلى أن غياب التغطية المستقلة يجعل من الصعب تقييم حجم الدمار والخسائر البشرية بدقة.
بينما تستمر صور الدمار المحدودة التي تخرج من غزة في تحريك الرأي العام، تبقى الصورة الكاملة غائبة.
نهاية مفتوحة
الأسئلة تتكرر في كل بيان صحفي ومؤتمر دولي:
متى يُسمح للصحفيين بالدخول؟
هل تخشى إسرائيل على الصحفيين… أم من الصحفيين؟
حتى الآن، لا توجد إجابة واضحة.
المحكمة العليا الإسرائيلية أيدت الحكومة في منع الدخول، والمنظمات الدولية تواصل الضغط بلا جدوى.
وفي كل يوم جديد، يتضاعف عدد القصص التي لم تُروَ، والصور التي لم تُلتقط، والشهادات التي ضاعت مع أصحابها.
حرية الصحافة، كما يقول أحد المراسلين الغربيين، “هي مرآة الحقيقة”.
وفي غزة، تحطّمت هذه المرآة على بوابة مغلقة.
ومع ذلك، تبقى الكاميرا الصغيرة في يد صحفي فلسطيني داخل الركام تلتقط ما تستطيع، كأنها تذكّر العالم أن الحقيقة قد تُحاصَر… لكنها لا تموت.
مستقبل الحقيقة في زمن الحصار
يُظهر منع دخول الصحفيين إلى غزة أن الحروب الحديثة لم تعد تُدار فقط بالنار، بل أيضًا بالمعلومة.
فمن يتحكّم في تدفق الأخبار يملك القدرة على تشكيل الرواية، ومنع الوصول إلى الحقيقة أصبح سلاحًا لا يقل فتكًا من الصواريخ.
ما يجري في غزة ليس حدثًا محليًا فحسب، بل اختبار عالمي لقدرة الإعلام الحر على البقاء في وجه الأنظمة التي تستخدم «الأمن» ذريعة لإسكات الشهود.
فكل قرار يمنع صحفيًا من الدخول، هو خطوة أخرى نحو طمس الذاكرة الجماعية، وفتح الباب أمام التضليل وسرقة الحقيقة.
من ناحية أخرى، أعاد هذا الواقع طرح سؤال جوهري على الصحافة الدولية:
هل ما زالت قادرة على الوصول إلى جوهر الأحداث عندما تُغلق الحدود وتُقيد التصاريح؟
هل يمكن أن تبقى مستقلة في زمن يُمنع فيه المراسل من الوصول إلى الميدان؟
ربما تكون التكنولوجيا هي الأمل الباقي، فوسائل الإعلام الجديدة ومنصات التواصل ساعدت في نقل صور لم يكن من الممكن بثها قبل عقد من الزمن.
لكن الاعتماد على مصادر محدودة من الداخل، دون تحقق ميداني مستقل، يترك مساحة واسعة للشك والتلاعب.
لذلك، فإن الدفاع عن حرية الصحافة في غزة اليوم هو دفاع عن حرية الحقيقة في العالم كله.
فحين يُقبل العالم بصمت على حجب الصورة والكلمة، فإنه يشارك — بصمته — في إخفاء المأساة.
إن مستقبل الإعلام الحر سيُقاس بقدرته على كسر هذا الحصار، لأن الحقيقة، كما أثبتت التجارب، قد تتأخر… لكنها دائمًا تجد طريقها إلى النور