الاستخبارات الجورجية تكشف عملية تجسس فرنسية
احمد مولانا يكتب
- dr-naga
- 4 يونيو، 2026
- حوارات ومقالات
- أحمد مولانا, الاستخبارات الجورجية, الاستخبارات الخارجية الفرنسي, التجسس, تجسس, فرنسا
كادت محاولة جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي (DGSE) تجنيد مصدر رفيع المستوى في جورجيا أن تتحول إلى نجاح استخباري كبير، نظراً للأهمية الاستراتيجية التي تمثلها البلاد بالنسبة لفرنسا بسبب قربها الجغرافي من روسيا وتشابك علاقاتها معها، وهي الساحة التي استثمر فيها الجهاز الفرنسي بكثافة خلال العام الماضي.
وبحسب مصادر مطلعة، نجح جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي في تجنيد جيورجي أودزيلاوري، المسؤول عن العلاقات العامة في مجموعة “كارتو” المالية المملوكة لرجل الأعمال والسياسي بيدزينا إيفانيشفيلي، مؤسس حزب “الحلم الجورجي” الحاكم والمصنف على نطاق واسع بأنه مقرب من موسكو. ويُعد أودزيلاوري هدفاً ثميناً، إذ سبق له أن تولى مسؤولية إحدى الإدارات في جهاز التحقيقات التابع لوزارة المالية الجورجية.
ورغم نجاح العملية في بدايتها، فإن جهاز أمن الدولة الجورجي (SSSG) تمكن بعد أشهر من عمليات مكافحة التجسس من كشفها، وأعلن في الخامس من مايو توقيف أودزيلاوري، الذي كان من المقربين سابقاً من إيفانيشفيلي. ويقود جهاز أمن الدولة الجورجي منذ أبريل الماضي وزير الداخلية السابق غيلا غويلادزه.
ويواجه أودزيلاوري عقوبة قد تصل إلى 12 عاماً من السجن، إذ تتهمه السلطات الجورجية بنقل معلومات سياسية واقتصادية وأمنية حساسة، بعضها مصنف سرياً، إضافة إلى بيانات تتعلق بأجهزة إنفاذ القانون والأقليات العرقية والدينية. وتقول السلطات إن هذه المعلومات كانت تُنقل عبر لقاءات مباشرة خاضعة لإجراءات أمنية صارمة وقنوات اتصال مشفرة.
ورغم أن تبليسي كان بإمكانها توجيه الاتهام مباشرة إلى فرنسا وجهازها الاستخباري، فإنها اكتفت بالإشارة إلى “دولة أوروبية” دون تسميتها. لكن الحكومة الجورجية صعّدت موقفها لاحقاً، فأبلغت الدول الغربية في التاسع من مايو بضرورة سحب ضباطها الاستخباريين العاملين في البلاد، ملوحة بالكشف عن هوياتهم إذا لم يمتثلوا.
واستجاب جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي لهذا الطلب، فاستدعى اثنين من ضباطه العاملين تحت غطاء دبلوماسي في السفارة الفرنسية في تبليسي وأعادهما إلى باريس. وأكد الجهاز الفرنسي أنه لا يرغب في التعليق على القضية، مشيراً إلى أن أياً من ضباطه لم يُعلن رسمياً شخصاً غير مرغوب فيه من قبل السلطات الجورجية. وتشير المعلومات إلى أن القضية دفعت إلى فتح اتصالات مباشرة بين مدير الاستخبارات الخارجية الفرنسية نيكولا ليرنر ونظرائه الجورجيين، في محاولة لاحتواء الأزمة والحفاظ على قنوات التواصل بين الجانبين.
ولا توجد مؤشرات حتى الآن على استدعاء ضباط استخبارات تابعين لدول أخرى، كما لم تكشف الحكومة الجورجية عن أي قضية مماثلة مرتبطة بدولة غربية أخرى. لكن السلطات أعلنت في أواخر أبريل توقيف المواطن الجورجي تاماز غولويف بتهمة التجسس لصالح روسيا، قبل أن تعلن في 30 مايو توقيف الصحفي إيراكلي تشيخلادزه والناشط الموالي لموسكو غولبات رتسخيلادزه، وسط غموض بشأن الجهة الأجنبية التي كانا يعملان لصالحها.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع عملية إعادة هيكلة داخل الأجهزة الأمنية الجورجية. ففي 21 أبريل صادق رئيس الوزراء إيراكلي كوباخيدزه على تعيين رئيس جهاز مكافحة التجسس ماموكا مدينارادزه في منصب جديد هو وزير الدولة لتنسيق أجهزة إنفاذ القانون، كما منحه صفة نائب رئيس الوزراء، في حين تولى وزير الداخلية رئاسة جهاز أمن الدولة.
ويعكس امتناع جورجيا عن تسمية فرنسا حرصاً متبادلاً على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين البلدين، رغم التوترات التي أعقبت فوز حزب “الحلم الجورجي” المثير للجدل في الانتخابات التشريعية أواخر عام 2024. فالحكومة الجورجية الجديدة أوقفت عملياً مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي حتى عام 2028، وتتهم باستمرار بروكسل وواشنطن بمحاولة جر البلاد إلى المواجهة مع روسيا عبر الملف الأوكراني.
ورغم ذلك، واصلت باريس محاولاتها للحفاظ على نفوذها في جورجيا ومنع انجرافها الكامل نحو موسكو. وكان من المقرر أن يزور وزير الشؤون الأوروبية الفرنسي بنجامين حداد تبليسي في أبريل الماضي خلال عودته من أرمينيا، إلا أن الزيارة ألغيت لأسباب تنظيمية وفق الرواية الرسمية الفرنسية. كما أرسلت وزارة الدفاع الفرنسية في نوفمبر الماضي وفداً عسكرياً وصناعياً إلى جورجيا لاستكشاف فرص التعاون العسكري وصفقات التسليح، في خطوة عكست استمرار الاهتمام الفرنسي بالبلاد رغم التوترات السياسية.
تمثل هذه القضية ضربة مؤلمة للاستخبارات الخارجية الفرنسية التي تعتبر جورجيا إحدى أهم نقاط الارتكاز لفهم التحركات الروسية في الفضاء السوفييتي السابق. وكان الجهاز قد أعاد افتتاح محطته في تبليسي عام 2003 بعد إغلاقها في أواخر التسعينيات، قبل أن تتزايد أهميتها بصورة كبيرة عقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
ويعكس حجم الاهتمام الفرنسي أن أحد الضباط الذين جرى استدعاؤهم إلى باريس كان يشغل سابقاً منصب نائب رئيس مركز الملف الروسي داخل الجهاز، وهو أحد أهم المراكز الاستخبارية الفرنسية. كما أن السفير الفرنسي الحالي في جورجيا أوليفييه كورتو كان في السابق مسؤولاً رفيعاً في مكافحة الإرهاب داخل الاستخبارات الخارجية.
وتُعد هذه الفضيحة الاستخبارية انتكاسة كبيرة للجهود الفرنسية الرامية إلى تعزيز حضورها في جنوب القوقاز ومراقبة النشاط الروسي من هناك. كما أنها تثير تساؤلات داخل الجهاز حول فعالية إجراءات الأمن العملياتي التي جرى تشديدها خلال العامين الماضيين، لكنها لم تمنع في النهاية انكشاف واحدة من أهم عملياته في المنطقة.
انتليجنس أونلاين