الاتحاد الأوروبي يتجه لتشديد سياسة الهجرة

تشريعات أوروبية جديدة قد تغيّر خريطة الهجرة

في خطوة تُعَدّ الأولى من نوعها داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، يجتمع وزراء داخلية الدول الأعضاء في بروكسل للتصويت على ثلاثة نصوص تشريعية تهدف إلى إعادة هيكلة سياسة الهجرة، وتشديد إجراءات التعامل مع المهاجرين غير النظاميين، في وقت تواجه فيه القارة الأوروبية ضغوطاً سياسية متزايدة من اليمين واليمين المتطرف. ويأتي هذا التصويت التاريخي في ظل تراجع أعداد الوافدين غير النظاميين بنحو 20 في المائة مقارنة بالعام الماضي، إلا أن المخاوف الشعبية والسياسية ما تزال تدفع الحكومات نحو خطوات تعتبرها منظمات حقوقية «تراجعاً خطيراً» عن مبادئ الحماية.

وتتضمن النصوص المطروحة إنشاء «مراكز عودة» خارج حدود الاتحاد الأوروبي، لإرسال المهاجرين الذين رُفضت طلبات لجوئهم، في إطار محاولة لتخفيف الضغط عن الدول الأوروبية التي تستقبل أعداداً كبيرة من طالبي اللجوء. ويمثل هذا الإجراء تغييراً ملموساً في نهج الاتحاد تجاه قضية الهجرة، إذ يسمح عملياً بنقل المهاجرين إلى دول لا ينتمون إليها، شرط أن تعتبرها بروكسل «دولاً آمنة». كما تشمل الإجراءات تشديد العقوبات على من يرفضون مغادرة الأراضي الأوروبية عبر تمديد فترات الاحتجاز.

ويؤكد المفوض الأوروبي المسؤول عن الملف، ماغنوس برونر، أن الاتحاد يحتاج إلى «خطوات جريئة لإظهار السيطرة على الوضع»، فيما يرفض اليسار الأوروبي والجمعيات الحقوقية هذه الإجراءات، باعتبارها تهدد حقوق المهاجرين وتقوّض ضمانات اللجوء. وتقول منظمات حقوقية إن مراكز العودة «تُعرّض المهاجرين لمخاطر قانونية وأمنية»، وتعيد إنتاج تجارب سابقة فشلت في دول أوروبية وخارجها.

وترى مصادر دبلوماسية أوروبية أن هناك إرادة سياسية مشتركة لدى معظم العواصم الأوروبية للموافقة على هذه التشريعات، خصوصاً مع تصاعد الخطاب السياسي المتشدد تجاه الهجرة في كثير من الدول. ومع ذلك، تبقى فرنسا وإسبانيا من بين الدول المترددة في دعم المشروع. فباريس تبدي مخاوف بشأن قانونية الإجراءات، بينما ترى مدريد أن فكرة «مراكز العودة» جرى اختبارها من قبل دون تحقيق نتائج واضحة، فضلاً عن إشكاليات إنسانية كبيرة.

ويتزامن ذلك مع مناقشات حساسة حول نظام جديد لتوزيع طالبي اللجوء داخل الاتحاد الأوروبي. ويرمي هذا النظام إلى تخفيف الضغط على دول الواجهة مثل اليونان وإيطاليا، عن طريق إلزام الدول الأخرى باستقبال أعداد محددة من طالبي اللجوء. وفي حال رفض أي دولة استقبالهم، سيكون عليها تقديم مساهمة مالية تصل إلى 20 ألف يورو عن كل طالب لجوء، تُحوَّل إلى الدول المتضررة. غير أن عدداً من الدول الأوروبية، مثل بلجيكا والسويد والنمسا، أعلنت بالفعل أنها لن تقبل إعادة توطين مهاجرين من دول أخرى في الاتحاد الأوروبي.

وتشير مصادر في بروكسل إلى أن المفاوضات شهدت تعثراً بسبب الخلافات حول طريقة توزيع طالبي اللجوء، إضافة إلى تساؤلات حول الدول المستعدة فعلاً للالتزام بالنظام الجديد. ويؤكد مسؤول أوروبي أن «هناك قلة قليلة من الوزراء الذين يرغبون بإعلان قبولهم لآلاف طالبي اللجوء أمام الرأي العام»، في ظل تصاعد التيارات الشعبوية.

ومع ذلك، يبدو الاتحاد الأوروبي مصمماً على المضي نحو إقرار هذه التعديلات قبل نهاية العام، وسط قناعة بأن الفشل في اتخاذ إجراء جماعي قد يفتح الباب أمام الدول لاتخاذ قرارات منفردة، ما يهدد وحدة السياسات الأوروبية. وبينما يرى مؤيدو التشديد أنه خطوة ضرورية لضبط الحدود، يحذر المعارضون من أن الإجراءات قد تؤدي إلى «أزمات إنسانية جديدة» وتضعف نظام اللجوء الأوروبي الموحد.