الأموال المجمدة.. عقدة جديدة تعمّق الصراع الأمريكي–الإيراني

إذ يتجاوز كونه ملفًا ماليًا ليصبح ورقة ضغط سياسية

يشكّل ملف الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج أحد أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، إذ يتجاوز كونه ملفًا ماليًا بحتًا ليصبح ورقة سياسية وأمنية مرتبطة مباشرة بمسار المفاوضات النووية، وبميزان النفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط. ومع عودة الجدل حول هذا الملف في 2026، برزت مرة أخرى الانقسامات العميقة بين طهران وواشنطن، وسط وساطات إقليمية تقودها باكستان لمحاولة تقريب وجهات النظر.

أولًا: خلفية الأزمة

تطالب إيران باستعادة جزء من أموالها المجمدة في بنوك خارجية، والتي تقول إنها تتجاوز عشرات المليارات من الدولارات، من بينها نحو 12 مليار دولار تعتبرها طهران “قابلة للإفراج الفوري” كجزء من أي تفاهم نووي جديد.

في المقابل، تتمسك الولايات المتحدة بأن أي عملية إفراج عن الأموال يجب أن تكون مرتبطة باتفاق نووي شامل ونهائي، مع ضمانات صارمة تمنع إعادة توجيه هذه الأموال لأغراض عسكرية أو دعم حلفاء إيران الإقليميين.

هذا التباين يعكس جوهر الأزمة:

إيران ترى الأموال حقًا سياديًا غير قابل للتفاوض، بينما تعتبره واشنطن أداة ضغط ضمن ملف الأمن الإقليمي.

ثانيًا: الدور الباكستاني ومحاولة الوساطة

برزت باكستان مؤخرًا كوسيط غير تقليدي في هذا الملف، حيث تحاول نقل رسائل بين الجانبين عبر زيارات دبلوماسية وأمنية رفيعة المستوى.

زيارة وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران، وفق مصادر دبلوماسية، حملت رسالة تتعلق بآلية الإفراج عن الأموال أو تجميدها ضمن إطار تفاوضي أوسع. كما أشارت تقارير إلى رسائل موازية من المؤسسة العسكرية الباكستانية، ما يعكس انخراطًا متعدد المستويات من إسلام آباد في محاولة إدارة التوتر.

هذا الدور يعكس رغبة باكستان في منع تفجر أزمة إقليمية قد تؤثر على أمنها الاقتصادي والسياسي، خاصة في ظل حساسيات الحدود مع إيران والتوازنات مع الولايات المتحدة.

ثالثًا: الموقف الإيراني – “المال أولًا”

الموقف الإيراني يبدو واضحًا وصلبًا: لا اتفاق دون ضمانات مالية.

المحلل الإيراني محمد صالح صدقيان يرى أن قضية الأموال المجمدة ليست تفصيلًا ثانويًا، بل “خط أحمر” ضمن السياسة الإيرانية. ويؤكد أن طهران تعتبر استعادة الأموال جزءًا من الحقوق السيادية، إلى جانب رفع العقوبات الاقتصادية التي خنقت الاقتصاد الإيراني لسنوات.

من وجهة نظره، تستند إيران إلى تجربة الاتفاق النووي عام 2015، الذي ربط جزئيًا بين التخفيف الاقتصادي والتزامات نووية، لكنها ترى أن انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من الاتفاق لاحقًا جعلها أكثر تشددًا في طلب ضمانات مالية مسبقة هذه المرة.

إيران تخشى أن يتم استخدام الأموال كورقة ضغط لاحقة، أو أن تُجمّد مجددًا في حال انهيار أي اتفاق مستقبلي، لذلك تصر على آلية تسليم واضحة وفورية أو عبر طرف ثالث موثوق.

رابعًا: الموقف الأمريكي – “لا مكافأة دون التزام”

في المقابل، تتبنى واشنطن موقفًا أكثر تشددًا، إذ ترى أن الإفراج عن الأموال لا يمكن أن يكون مسبقًا أو غير مشروط.

المساعد السابق لوزير الدفاع الأمريكي ديفيد دوروش يؤكد أن المليارات التي تُطرح في النقاشات ليست “أموالًا سياسية قابلة للإفراج الفوري”، بل جزء من ترتيبات مالية مرتبطة بالامتثال الإيراني للاتفاقات الدولية.

ويذهب دوروش إلى أن واشنطن لا تنظر إلى الملف بمعزل عن السلوك الإقليمي الإيراني، بما في ذلك دعم جماعات مسلحة في المنطقة، وهو ما يجعل الكونغرس والإدارة الأمريكية مترددين في تقديم أي تنازلات مالية كبيرة دون مقابل واضح.

كما يشير إلى أن التجربة السابقة أظهرت أن ضخ الأموال دون ضمانات لم يغيّر السلوك الإيراني بالشكل المطلوب من وجهة نظر واشنطن، بل زاد من تعقيد المشهد الإقليمي.

خامسًا: قراءة سياسية – هل هو خلاف مالي أم سياسي؟

يرى عدد من المحللين أن القضية ليست مالية في جوهرها، بل سياسية بامتياز.

فالمال هنا يتحول إلى رمز للثقة المفقودة بين الطرفين.

إيران تريد ضمانًا بأن أي اتفاق جديد لن يُلغى كما حدث في 2018، بينما تريد الولايات المتحدة ضمانات بأن إيران لن تستخدم الموارد المالية لتعزيز قدراتها العسكرية أو توسيع نفوذها الإقليمي.

بالتالي، يصبح ملف الأموال المجمدة جزءًا من “هندسة اتفاق شامل” وليس مجرد بند اقتصادي.

سادسًا: انعكاسات إقليمية ودولية

1. على الأسواق والطاقة

أي تقدم أو تعثر في هذا الملف ينعكس مباشرة على أسواق النفط العالمية، نظرًا لموقع إيران الاستراتيجي وقدرتها على التأثير في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

2. على الأمن الإقليمي

التوتر المستمر يزيد من احتمالات التصعيد غير المباشر في مناطق مثل الخليج، العراق، ولبنان، حيث تتداخل النفوذ الإيراني مع المصالح الأمريكية.

3. على العلاقات الباكستانية–الإيرانية

الدور الباكستاني في الوساطة قد يعزز موقعها الدبلوماسي، لكنه في الوقت نفسه يضعها في منطقة حساسة بين طرفين متخاصمين.

4. على الداخل الإيراني

الضغط الاقتصادي الناتج عن العقوبات وتجميد الأموال ينعكس على الوضع المعيشي، ما يجعل الملف المالي قضية داخلية حساسة تمس الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

سابعًا: احتمالات المستقبل

هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

1. اتفاق مرحلي جزئي

يقوم على الإفراج التدريجي عن جزء من الأموال مقابل خطوات نووية محددة. هذا السيناريو هو الأكثر واقعية على المدى القريب.

2. تجميد الوضع الحالي

استمرار الجمود مع وساطات متكررة دون اختراق حقيقي، وهو السيناريو الأكثر احتمالًا إذا استمرت الخلافات السياسية.

3. تصعيد دبلوماسي

في حال فشل الوساطات، قد تتجه الأطراف إلى مزيد من العقوبات أو التصعيد غير المباشر في المنطقة.

ملف الأموال الإيرانية المجمدة لم يعد مجرد قضية مالية بين دولتين، بل أصبح مرآة لأزمة ثقة عميقة تمتد جذورها إلى أكثر من عقد من التوترات السياسية والعسكرية.

بين إصرار إيران على استعادة أموالها كشرط للانفتاح، وتمسك الولايات المتحدة بربط أي إفراج بتسوية شاملة، تبقى الوساطات الإقليمية مثل الدور الباكستاني محاولة لفتح نافذة ضيقة في جدار سياسي صلب.

لكن حتى الآن، يبدو أن الطريق إلى اتفاق مستقر ما يزال طويلًا ومعقدًا، تحكمه الحسابات الأمنية بقدر ما تحكمه الاعتبارات الاقتصادية.

اترك تعليقا