الأمم المتحدة تحذّر من “الانهيار الأخلاقي” في غزة

ما لم تتحرك الدول سيبقى القانون حبرًا، والمجازر نارًا

وقف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أمام قادة العالم، بنبرة لم تكن غاضبة فقط، بل مشبعة بيأس ثقيل. في كلمته أمام الجمعية العامة، لم يترك مجالًا للتأويل:”إن حجم الموت والدمار في غزة يتجاوز أي صراع آخر شهدته خلال سنوات خدمتي كأمين عام.”

لم يكن خطابه مجرد استعراض دبلوماسي لمأساة مستمرة، بل إنذار أخير – وربما يائس – من رجلٍ يدرك تمامًا أن آلة الحرب ما زالت تدور، وأن القانون الدولي يتعرض لأحد أقسى اختباراته في التاريخ الحديث.

المحكمة قالت كلمتها… ولكن من يسمع؟

قبل أشهر، أصدرت محكمة العدل الدولية – أعلى هيئة قانونية في النظام الأممي – تدابير مؤقتة في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، تتهمها فيها بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة.

الأوامر كانت واضحة:

وقف فوري للعمليات العسكرية التي قد تؤدي إلى الإبادة.

ضمان دخول المساعدات الإنسانية دون عوائق.

تسهيل التحقيقات الدولية.

اتخاذ جميع التدابير لمنع التحريض على الإبادة الجماعية.

لكن شيئًا من هذا لم يتحقق بالكامل.

قال غوتيريش، بصوت بدا عليه الإحباط، إن الوضع بعد تلك الأوامر أصبح “أسوأ”. فالمجاعة أعلنت رسميًا في القطاع، والمعارك لم تهدأ، وتحولت غزة إلى أنقاض يسكنها الألم.

بين 7 أكتوبر واليوم: أيّ ذريعة تبرر الخراب؟

غوتيريش لم ينسَ أن يبدأ بإدانة هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023. فقد وصفه مرارًا بأنه “هجوم إرهابي مروع”، لا مبرر له، ولا لاحتجاز الرهائن.

لكنه شدد بحزم على أن هذا لا يمنح إسرائيل الحق في “معاقبة شعب بأكمله”.

“لا شيء يبرر العقاب الجماعي، ولا تدمير غزة المنهجي.”

قالها كمن يرغب في إيقاظ ضمير العالم، أو على الأقل، ما تبقى منه.

ما الذي يعنيه “تنفيذ التدابير”؟

تُعد التدابير المؤقتة التي أصدرتها محكمة العدل الدولية ملزمة قانونًا، وليست مجرد توصيات.

ومع ذلك، فالمعضلة الأكبر هي أن المحكمة لا تمتلك آلية تنفيذ ذاتية. فهي تعتمد على ضغط المجتمع الدولي لتنفيذ أوامرها، وخاصة من قبل مجلس الأمن.

لكن الانقسام السياسي، والمصالح الدولية المتشابكة، أعاقت أي إجراء فعّال.”القانون واضح. والخرق واضح. المشكلة ليست في الأدلة، بل في الإرادة السياسية لفرض احترام القانون.”

– د. فؤاد غانم، أستاذ القانون الدولي، جامعة لندن

غزة: حياة معلّقة بين الهواء والركام

في غزة، حيث يعجز الحبر عن وصف الجوع، ويفشل التصوير في إيصال الرائحة، لم تعد الأرقام تكفي.

يعيش السكان في ظروف تصفها الأمم المتحدة بأنها “غير إنسانية”:

أكثر من 80% من سكان القطاع نازحون داخليًا.

المياه غير صالحة للشرب.

الكهرباء شبه معدومة.

الغذاء شحيح، والمعابر مغلقة أغلب الأوقات.

هنا، تتحدث الصور بصمت: أطفالٌ يلهثون وراء شاحنات الإغاثة. أمهات ينحنين على أكوام الركام بحثًا عن طعام أو دواء. مستشفيات تحوّلت إلى ملاجئ موت لا تملك حتى المسكنات.

لجنة التحقيق: “نعم، هذه إبادة”

التقرير الأخير الصادر عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة في الأراضي الفلسطينية المحتلة لم يترك مجالًا للبس.

نعم، قالتها صراحة: “ما يجري في غزة هو إبادة جماعية.”

اتهم التقرير إسرائيل باستخدام القوة بشكل مفرط، وارتكاب انتهاكات جسيمة لاتفاقية الإبادة الجماعية.

وحذر المجتمع الدولي:”الصمت تواطؤ.”

رسالة ثقيلة، لكنها لم تلقَ بعد الثقل الكافي لتغيير المعادلة.

الأمم المتحدة… ومفارقة العجز

ربما أكثر من غيره، يدرك غوتيريش المفارقة المؤلمة:

هو أمين عام منظمة يفترض أنها تحمي السلم والأمن، لكنها تبدو عاجزة أمام هذا النزيف. “نعلم ما هو مطلوب. وقف إطلاق نار دائم الآن. إطلاق سراح الرهائن الآن. وصول إنساني كامل الآن.”

ثلاثة مطالب، بسيطة في صياغتها، مستحيلة في تنفيذها، في ظل التوازنات السياسية الدولية.

السودان: جرح آخر في الجسد الإنساني

وفي خضم صراخه من أجل غزة، لم يغفل غوتيريش ما يجري في السودان.

حرب أهلية لا تقل وحشية، تفتك بالشعب منذ أبريل 2023، دون بارقة أمل في الأفق. “المدنيون يُذبحون، يُجوّعون، ويُصمتون. النساء والفتيات يتعرضن لعنف لا يوصف. لا حل عسكريًا هناك.”

دعوة واضحة لإنهاء الدعم الخارجي للنزاع، والضغط لحماية المدنيين.

الخبراء: القانون بحاجة إلى من يحمله

يرى خبراء أن خطاب غوتيريش يعكس تصدعًا كبيرًا في بنية النظام الدولي. “ما لم تتحرك الدول الفاعلة بقوة، سيبقى القانون حبرًا، والمجازر نارًا.” بحسب د. نزار الحلو، خبير العلاقات الدولية

يشير إلى أن “الازدواجية في تطبيق القانون” تدمّر الثقة الدولية، وتغذّي بيئة الإفلات من العقاب.

مفترق طرق: انهيار أم صحوة؟

في ختام خطابه، أطلق غوتيريش تحذيرًا عامًا:

“العالم عند مفترق طرق: بين التعاون… أو الانهيار.”

ليست القضية فقط غزة أو السودان، بل مستقبل النظام العالمي نفسه.

هل سنشهد ولادة عالم جديد تحكمه العدالة؟

أم سندفن القانون تحت ركام الحروب، كما يُدفن أطفال غزة كل يوم؟