الأمم المتحدة: السودان يعيش أسوأ أزمة نزوح في العالم

مرور ثلاثة سنوات من الحرب الأهلية

مع دخول السودان عامه الثالث في الحرب الأهلية، أطلقت أربع وكالات رئيسية تابعة للأمم المتحدة نداءً عاجلاً لتوسيع نطاق الاستجابة الإنسانية في البلاد، وسط تفاقم معاناة ملايين السكان الذين يواجهون الجوع والنزوح وانهيار الخدمات الأساسية.

وخلال إحاطة افتراضية مشتركة، أكدت نائبة المدير العام للعمليات في المنظمة الدولية للهجرة، أوغوتشي دانيلز، أن السودان يشهد الآن “أسوأ أزمة نزوح في العالم”، مشيرة إلى أن أكثر من 30 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة.

وأوضحت دانيلز أن منظمتها سجلت 9.6 مليون نازح داخلي و4.3 مليون نازح عبر الحدود، في حين عاد نحو 2.6 مليون شخص إلى السودان، بينهم مليون في الخرطوم، رغم استمرار المعارك. وأكدت أن معظم العائدين “ينحدرون من مناطق نزاع أخرى داخل البلاد”، ما يفاقم هشاشة الوضع الإنساني.

ودعت المسؤولة الأممية إلى الاستعادة الفورية للبنية التحتية والخدمات العامة وتقديم الدعم المباشر للعائدين الضعفاء والمجتمعات المضيفة،

مشددة على ضرورة أن تعمل الجهات الإنسانية والإنمائية والفاعلون في مجال السلام معًا، تنفيذًا لدعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى “الوقف الفوري للأعمال العدائية، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق”.

انهيار الخدمات الأساسية وموجة نزوح غير مسبوقة

في مداخلة أخرى، وصفت كيلي كليمنتس، نائبة المفوض السامي لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، حجم الدمار الذي رأته خلال زيارتها إلى بورتسودان والخرطوم، قائلة إن المشاهد “مروعة وتعكس انهيارًا شبه كامل للبنية التحتية والخدمات العامة”.

وأضافت: “سمعنا قصصًا مروعة عن انتهاكات حقوق الإنسان والخوف والدمار الشامل، ولكن أيضًا عن صمود الناس وإصرارهم على البقاء رغم المآسي”.

وأشارت كليمنتس إلى أن الصراع بين الفصائل العسكرية المتناحرة منذ أبريل 2023 أجبر حوالي 12 مليون شخص على الفرار من ديارهم، سواء داخل السودان أو إلى دول الجوار، أي ما يعادل شخصًا واحدًا من كل ثلاثة من السكان.

وأكدت أن أكبر المخاوف التي عبر عنها النازحون تتعلق بانعدام الخدمات الأساسية، ولا سيما الصحة والمياه والتعليم، إضافة إلى مخاوف متزايدة بشأن الأمن الشخصي في مناطق النزوح المكتظة.

ورغم هذا الوضع القاتم، سلطت كليمنتس الضوء على كرم الشعب السوداني، الذي ما زال يستضيف نحو 900 ألف لاجئ وطالب لجوء من دول أخرى، رغم الحرب الداخلية ونقص الموارد. وقالت: “هذا السخاء في وقت الحرب يعبّر عن عمق القيم الإنسانية المتجذرة في المجتمع السوداني”.

الأطفال يدفعون الثمن: مجاعة وتسرّب مدرسي واسع

بدوره، حذر تيد شيبان، نائب المدير التنفيذي للعمل الإنساني في منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، من أن تداعيات الحرب في السودان تضرب الأطفال بشكل خاص، واصفًا ما شاهده في الميدان بأنه “مقلق إلى حدٍ كبير”.

وقال شيبان إن السودان يعيش أكبر أزمة إنسانية في العالم، مع تصاعد الصراع يومًا بعد يوم، مؤكدًا أن الأطفال “يدفعون الثمن الأغلى” بسبب الجوع والمرض وفقدان التعليم والأمان.

وأوضح أن نحو 1.4 مليون طفل يعيشون في مناطق مهددة بالمجاعة أو تعاني منها بالفعل، في حين يُتوقع أن يعاني 150 ألف طفل في شمال دارفور من سوء التغذية الحاد الشديد هذا العام وحده.

وأشار إلى أن 14 مليون طفل أصبحوا خارج المدارس  أي أربعة من كل خمسة أطفال في السودان — مما يهدد مستقبل جيل كامل بالضياع.

كما وثّقت الأمم المتحدة خلال الأشهر الستة الماضية 350 انتهاكًا جسيمًا ضد الأطفال في شمال دارفور، من بينها القتل والتشويه والتجنيد القسري، ما يعكس خطورة الانتهاكات في مناطق النزاع.

وفي ختام الإحاطة، تناولت فاليري غوارنييري، مساعدة المدير التنفيذي لـبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، التحديات اللوجستية الهائلة التي تواجهها المنظمة في إيصال المساعدات.

وأوضحت أن البرنامج تمكن في سبتمبر الماضي من الوصول إلى 1.8 مليون شخص في المناطق الأكثر عرضة للمجاعة، أي ما يغطي 85 في المائة من السكان المقيّمين في تلك المناطق، مقارنة بنسبة 20 في المائة فقط قبل أشهر.

لكنها حذرت من أن وصول المساعدات ما زال مقيدًا بشدة في مدن مثل الفاشر والدقلي والدلنج بسبب القتال المستمر، مشددة على أن ضمان الوصول الآمن “مسألة حياة أو موت لملايين المدنيين”.

نداء عاجل لدعم دولي وتمويل مستدام

دعت الوكالات الأربع — المنظمة الدولية للهجرة، مفوضية اللاجئين، اليونيسف، وبرنامج الأغذية العالمي — إلى دعم دولي عاجل ومستدام لجهودها في السودان، يشمل التمويل الكافي وتحسين الوصول الإنساني وتجديد مبادرات السلام.

وأكدت الوكالات أن السودان يقف عند منعطف خطير، حيث تتقاطع الكارثة الإنسانية مع غياب الحلول السياسية، مما يجعل أي تأخير في المساعدات تهديدًا مباشرًا لحياة الملايين. وشددت على أن استعادة الخدمات الأساسية، وخاصة الصحة والتعليم والمياه، ضرورية للحفاظ على بقاء المدنيين وتمكينهم من الصمود.

واختتمت الإحاطة بدعوة المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤوليته الأخلاقية والإنسانية تجاه الشعب السوداني، الذي يعيش ثالث عام من الحرب وسط انهيار شامل في مؤسسات الدولة.

فبينما تتصارع الأطراف المسلحة على السلطة، يعيش ملايين المدنيين بين الخوف والجوع والنزوح، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.