الأسباب الحقيقية وراء قرار ترامب الحرب على إيران

تقادم الخطيب يكتب

انتهيت من قراءة مجموعة من التقارير التحليلية التي تقدم رؤية مختلفة للأسباب الحقيقية وراء قرار دونالد ترامب شن حرب على إيران. هذه التقارير تشير إلى أن البرنامج النووي الإيراني ليس العامل الأساسي المحرك للتصعيد، رغم أنه يشكل مطلباً وضغطاً إسرائيلياً واضحاً، بل إن الدافع الأهم بالنسبة لترامب يرتبط بالتحركات الإيرانية المتزايدة في أميركا اللاتينية، وهي منطقة تعتبر تقليدياً ضمن نطاق النفوذ الاستراتيجي للولايات المتحدة.
هذه التقارير كانت تتوقع الي حد كبير بإن ترامب سيخوض حرب مع إيران، لأنها مرتبطة بشكل وثيق بما جري في فنزويلا تحديداً. فالبلدان، إيران وفنزويلا، يستخدمان النفط كأداة ضغط في العلاقات الدولية، ويحاولان من خلاله الظهور كدول “ثورية” تسعى إلى إحداث تغيير في بنية النظام الدولي القائم، وتعارض بشدة السياسات الأميركية التي تصفها بالإمبريالية، وكذلك النظام الرأسمالي الذي تقوده واشنطن.

تعاونت ايران مع فنزويلا منذ عهد تشافيز بقوة واستغلت ايران ذلك بشكل فعال عبر تطوير علاقاتها مع فنزويلا لتكون بوابة عبور إلى أميركا اللاتينية، الأمر الذي منحها مكاسب استراتيجية وجيوسياسية مهمة على المديين القريب والمتوسط، خاصة أنها تمكنت من التغلغل في ما يوصف تقليدياً بأنه “الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة.

وتشير التقارير إلى وجود عدد كبير من المشاريع الاقتصادية والاستثمارية المشتركة بين إيران وفنزويلا. فقد نجح البلدان في إطلاق مشروع مشترك لإنتاج سيارات اقتصادية حملت اسم Venirauto، إضافة إلى تصنيع جرارات ومعدات زراعية تهدف إلى دعم القطاع الزراعي في البلدين، وخاصة في فنزويلا. كما تمول إيران مشروعاً استثمارياً ضخماً لتطوير احتياطيات النفط في منطقة أورينوكو، حيث تصل قيمة الاستثمارات الإيرانية إلى نحو أربعة مليارات دولار. وإلى جانب ذلك، شاركت إيران في تمويل مشاريع إسكان مخصصة للعائلات الفقيرة في فنزويلا، وأرسلت أكثر من 400 مهندس ومتخصص في مجال البناء للمشاركة في تنفيذ هذه المشاريع. في المقابل، توفر فنزويلا لإيران منفذاً مهماً لكسر العزلة الدولية المفروضة عليها، إذ عملت الحكومة الفنزويلية على تنشيط التبادل التجاري والاستثماري والسياحي مع طهران، وتم تخصيص رحلة جوية أسبوعية مباشرة بين كاراكاس وطهران. وبحسب مصادر حكومية إيرانية، وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى نحو 20 مليار دولار عام 2024.

أما في ما يتعلق بالعلاقة مع بوليفيا، فعلى الرغم من كونها واحدة من الدول الفقيرة في أميركا اللاتينية، فإن موقعها الجغرافي في قلب جبال الأنديز يمنحها أهمية استراتيجية كبيرة. هذا الموقع يسهل على إيران توسيع نفوذها وعلاقاتها مع شعوب المنطقة شرقاً وغرباً. فايران وقعت اتفاقية تعاون ثنائي مع بوليفيا عام 2007 بقيمة بلغت نحو 1.1 مليار دولار، خُصص الجزء الأكبر منها لتطوير حقول النفط والغاز في بوليفيا.

كماحصلت بوليفيا على دعم مالي مشترك من إيران وفنزويلا لإنشاء شركة وطنية استراتيجية تعنى بتطوير مشاريع البنية التحتية الكبرى في البلاد. وقد تم استثمار أكثر من 230 مليون دولار في قطاع الإسمنت، إضافة إلى مبادرات إنسانية وصحية تمثلت في افتتاح عيادات طبية متنقلة بإشراف وزارة الصحة الإيرانية في لاباز ومدن بوليفية أخرى لتقديم الرعاية الصحية للفئات الفقيرة. كما قامت وسائل الإعلام الرسمية في بوليفيا بترجمة وبث عدد من الأخبار والتحليلات الصادرة من إيران ضمن إطار الاستراتيجية الإعلامية الإيرانية في المنطقة.

وفي نيكاراغوا، قامت ايران بتقديم دعم مالي لمشاريع التنمية
و تعهدت إيران بتقديم مساعدات مالية لنيكاراغوا لدعم قطاعات النفط والطاقة والزراعة والبنية التحتية وتحلية المياه. ومن أبرز المشاريع التي مولتها إيران بناء ميناء جديد على الساحل الشرقي لنيكاراغوا بتكلفة تصل إلى 350 مليون دولار. كما قدمت طهران مساعدة مالية بقيمة 231 مليون دولار لإنشاء محطة لتوليد الكهرباء، إضافة إلى تمويل بناء مستشفى في العاصمة ماناغوا بقيمة مليوني دولار، إلى جانب تعزيز التعاون الإعلامي والدبلوماسي. وتعد السفارة الإيرانية في نيكاراغوا الأكبر من حيث عدد الموظفين الإيرانيين، إذ تضم نحو 20 مسؤولاً يعملون على توسيع العلاقات مع الحكومة والشعب في هذا البلد.

أما العلاقة مع الإكوادور فقد بدأت تتبلور بشكل واضح خلال الزيارة المفاجئة التي قام بها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى العاصمة كيتو في ديسمبر 2007 ، فقد تم افتتاح مكتب تجاري للإكوادور في طهران بهدف تنشيط التبادل التجاري، كما تم توقيع أكثر من 25 اتفاقية تعاون خلال السنوات الماضية. ومن أبرز هذه الاتفاقيات التمويل الإيراني لمشروع بناء مصفاة نفط ومصنع للبتروكيماويات في جنوب الإكوادور، إضافة إلى مساهمة إيران في بناء محطة كهرومائية في منطقة Coca-Codo Sinclair. وقد تعززت العلاقات بين البلدين، بما في ذلك الجوانب الأمنية والاستراتيجية، بعد زيارة سعيد جليلي، رئيس مجلس الأمن القومي الأعلى الإيراني، إلى الإكوادور في ديسمبر 2008، وكذلك بعد افتتاح السفارة الإيرانية الجديدة في كيتو عام 2009.

يبدو إن ترامب دوافعه مختلفة فعلا عن دوافع إسرائيل، لذلك بدأ بفنزويلا بوابة إيران للتمدد داخل أميركا اللاتينية، ثم تلاها بإيران لكبح هذا التمدد.