الآثار الجانبية لسد أسوان العالي مقارنة بإيجابياته (مقال)
آثار سلبية للسد العالي لكنها لا تقارن بإيجابياته
- Ali Ahmed
- 15 يوليو، 2025
- تقارير, رأي وتحليلات
الدكتور مجدي قرقر
بمناسبة ما قيل عن الملء الأخير لبحيرة سد النهضة وافتتاح السد في سبتمبر القادم، فتح الحوار عن سد أسوان العالي (الاسم الصحيح في المراجع العلمية وليس السد العالي) وبحيرته الضخمة التي كان لها الفضل بعد الله سبحانه وتعالى في ألا تتأثر مصر كثيرا بمليء بحيرة سد النهضة، وأثير السؤال التقليدي القديم الذي يثار مع كل أزمة لها علاقة بسد أسوان العالي، ما هي أهمية سد أسوان العالي بعد أن اتضحت آثاره السلبية؟
وقبل أن ندخل في موضوع المقال المرتبط بعنوانه نوضح بعض المفاهيم في الفقرة السابقة:
لماذا هو سد أسوان العالي وليس السد العالي؟ لأن هناك سدود أخرى في العالم أعلى منه بارتفاع أعلى أو في حدود 300.00 متر بينما ارتفاع سد أسوان العالي 111.00 متر.
ولماذا هو سد أسوان العالي وليس سد أسوان فقط؟ لأن هناك سدا آخر شمال سد أسوان العالي أنشأ في مطلع القرن العشرين باسم “خزان أسوان”، تم البدء في بنائه عام 1898 م وتشغيله عام 1902 (123 عاما مضت)، ويقع على بعد حوالي سبعة كيلومترات شمال سد أسوان العالي الذي بدأ العمل به عام 1964 وتم تشغيله عام 1970 م، وهو خزان حولي (يخزن من شهور الفيضان لشهور الجفاف) بينما سد أسوان العالي سد قرني (يخزن من سنوات الفيضان لسنوات القحط).
الملء الأخير لسد النهضة لم يتم بعد حيث تم تخزين حوالي 60 مليار م3 والمستهدف 74.00 مليار م3، وهناك احتمال أن يستكمل الملء قبل الافتتاح وهو ما يشكل خطورة نشير إليها في مقال تالي.
*****
نعود لموضوع المقال:
هناك آثار سلبية للسد العالي ولكنها لا تقارن بإيجابياته ومنها:
1) حجز 98.00 % من طمي النيل في قاع البحيرة على الحدود المصرية السودانية على مسافة حوالي 350 كم جنوب جسم السد وتزداد كمية الطمي المترسب سنويا ليصل إلى 31.00 مليار م3 (السعة الميتة) بعد حوالي 500 سنة من الإنشاء (مضى منها 55 عاما) تقل بعدها كفاءة السد ما لم يتم استخراج الطمي. وهو ما أثر سلبا على خصوبة الأرض الزراعية في دلتا نصر وأثر على مصانع الطوب الأحمر وأدى إلى تجريف بعض الأراضي الزراعية لفترة من الزمن قبل استحداث بدائل أخرى من الطوب.
2) غرق قرى النوبة والتي تم تهجير أهلها إلى مركز ومدينة كوم امبو قبل غرقها.
3) غرق معبد أبي سمبل مما استنفر اليونسكو وعلماء وشعب مصر لإنقاذه، وهو ما تم بنجاح بفضل الله وبفضل التعاون الدولي وعلماء مصر المخلصين.
4) إهدار حوالي 10.00 مليار م3 من المياه سنويا بالبخر والتسرب نظرا لمسطح البحيرة الضخم الذي يبلغ حوالي 5500.00 كم2 (طول 550.00 كم وعرض متوسط حوالي 10.00 كم). وأخذت هذه الكمية في الاعتبار قبل توزيع كمية المياه المتبقية (74.00 مليار م3 55.50 مليار لمصر، 18.50 مليار م3 للسودان)، وتتوقف كمية البخر على منسوب المياه بالبحيرة ومسطحها بالتبعية ودرجة الحرارة ومعدل التبخر في المنطقة، وبالنسبة لكمية التسرب فتتوقف على طبيعة تربة قاع وجوانب البحيرة ومساميتها.
5) تآكل وانهيارات جسور النهر في صعيد مصر، وقد قمت بإعداد بحث ماجستير أنهيته عام 1981 م (44 عاما مضت) خلصت في إلى تآكل وانهيار ما يقرب من 500.00 كم من جسور النيل على جانبيه وجزره بنسبة حوالي (25.00 % من أطوال الجسور في المسافة بين أسوان والقاهرة بعد حوالي أحد عشر عاما من تشغيل السد)، حتى قيل وقتها أن النيل يستعيد شبابه بعد أن تغير النظام (الرجيم) الخاص به بعد عدة ملايين من الاستقرار، ويرجع ذلك إلى تخفف مياه النيل من حمولتها من الطمي وزيادة قدرتها على نحر وانهيار جسوره
6) نحر قاع النهر خاصة خلف الأعمال الصناعية (القناطر والكباري).
7) عدم استقرار كثير من الجزر النيلية بالنحر والترسيب وفقا للبند السابق.
8- قلة خصوبة الأرض الزراعية بعد حرمانها من طمي النيل والذي تم تعويضه بالأسمدة الكيماوية والهندسة الوراثية حتى أن غلة الفدان تضاعفت رغم غياب الطمي، وظهرت المشكلة بوضوح لعدم استكمال مشروعات الصرف المغطى قبل تشغيل السد.
9) توقف عمليات غسيل التربة الزراعية والتربة أسف المنشآت بالوادي والدلتا، قبل إنشاء السد كانت المياه الجوفية بالوادي والدلتا ترتفع في شهور الفيضان لاتصالها بالنهر وتذوب أملاح التربة في المياه، وفي شهور الجفاف تنخفض المياه الجوفية وتعود إلى النهر ومعها كمية كبيرة من أملاح التربة التي أذابتها.
10) توقف ترسيب النهر للطين والطمي على ساحل البحر المتوسط في المسافة من بورسعيد إلى الإسكندرية مما أدى إلى زيادة تآكل ونحر شاطئ البحر في هذه المسافة نتيجة توقف تعويض البحر بالطمي والطين بدلا من الساحل المتآكل.
11) توقف تكاثر السردين على ساحل البحر والذي كان يتكاثر على طمي النيل المترسب على ساحل البحر.
*****
كل هذا لا يقارن بإيجابياته إذ يعد سد أسوان العالي من أهم المشروعات الهندسية في مصر (مشروع القرن)، وله العديد من الإيجابيات أهمها:
أولا – دور سد أسوان العالي في التنمية الزراعية والصناعية:
1) التحكم في إيراد النهر المتغير في سنوات الفيضان وسنوات الجفاف (القحط)، حيث يختلف إيراد النهر اختلافًا كبيرًا من عام إلى آخر إذ قد يصل إلى نحو 150.00 مليار متر مكعب أو يهبط إلى أقل من 40.00 مليار متر مكعب سنويًا، وهذا التفاوت الكبير من عام لآخر يعرض الأراضي الزراعية للبوار في سنوات الإيراد المنخفض، وقد حل سد أسوان العالي هذه المشكلة بأن حبانا الله بأرض منبسطة جعلت سعة البحيرة 162 مليار م3 وأن يكون السد سدا قرنيا بتخزين المياه لعدة سنوات (سنوات الفيضان ذات الإيراد العالي) لاستخدامها في السنوات ذات الإيراد المنخفض، وهي نفس الظاهرة التي عالجها سيدنا يوسف عليه السلام باستخدام كل مياه الفيضان في الزراعة وتخزين المحاصيل لسنوات القحط، حيث لم تكن تكنولوجيا السدود معروفة في عصره كما في عصر ذي القرنين.
2) تضاعف نصيب الفرد عام ١٩٧٠ من ٩3٠ م٣ مياه / سنة إلى ١٨5٠ م٣ / سنة (أي أن نصيب المواطن المصري كان في بداية التناقص دون خط الفقر المائي (1000 م3/ فرد/ سنة).
3) زيادة الرقعة الزراعية بحوالي اثنين مليون ونصف مليون فدان، إذ زادت المساحة المنزرعة من 5.5 إلى 7.9 ملايين فدان.
4) تحويل مليون ونصف فدان في صعيد مصر من ري الحياض (زرعة واحدة ومحصول واحد) إلى ري دائم (عدة محاصيل في السنة) مما أدى إلى زيادة الإنتاج الزراعي.
5) التوسع في زراعة الأرز وقصب السكر كأغذية رئيسة يعتمد عليه الشعب المصري.
6) تنمية الطاقة الكهرومائية بتوليد 2.10 جيجا وات من الكهرباء قامت عليها الصناعات الكيميائية بمصنع كيما أسوان ومصنع الألمونيوم بنجع حمادي، كما استخدم جزء منها في إدارة المصانع وإنارة المدن والقري.
7) يضمن سد أسوان العالي توفير منسوب ثابت للمياه في خزان أسوان القديم بما يضمن التشغيل المنتظم لمحطة توليد الكهرباء في الخزان.
زيادة الثروة السمكية في بحيرة ناصر أمام سد أسوان العالي.
9) تحسين الملاحة النهرية طوال العام، حيث مانت الملاحة النهرية تتوقف في شهور الجفاف، أما الآن فيمكن التحكم في تصرف المياه بتمرير أقل تصرف يلزم للملاحة وتوليد الكهرباء في شهور السدة الشتوية.
ثانيا – دور سد أسوان العالي في حماية مصر من خطر الكوارث الطبيعية:
1) حماية مصر من مخاطر الجفاف (القحط): وقانا الله سبحانه وبحيرة ناصر من أخطار المجاعة لما يقل عن خمسة عشر عاما إذ تعرضت دول إفريقية كثيرة لخطر المجاعة في ثمانينات القرن الماضي نتيجة للفيضانات المتعاقبة شحيحة الإيراد في الفترة من 1979 م إلى 1987 م حيث تم سحب ما يقرب من 70 مليار متر مكعب من المخزون ببحيرة السد العالي لتعويض العجز السنوي في الإيراد الطبيعي لنهر النيل في تلك السنوات، إضافة إلى سنوات جفاف أخرى غير تلك السنوات.
2) حماية مصر من أخطار الفيضانات العالية: وقانا الله سبحانه وتعالى من خطر ما لا يقل عن خمسة عشر عاما أخرى من الفيضانات المرتفعة التي كانت تغرق القاهرة ومدن وقرى الوجه البحري وبعض مدن وقرى الصعيد، وعلى سبيل المثال تم تخزين مياه الفيضان الزائدة في الفترة من 1998 إلى 2002، مما حمى المحاصيل من التلف وجنبنا انهيار بعض المنشآت ووفر جهد التصدي للفيضانات ووفر للدولة نفقات طائلة كانت تنفق لمواجهة هذه الفيضانات وإزالة آثارها المدمرة.
*****
بفضل الله وحمده، فإنه رغم الآثار السلبية لسد أسوان العالي إلا أنها تتضاءل أمام إيجابياته العظيمة في زيادة الرقعة الزراعية وتوليد الكهرباء وضبط الملاحة النهرية وحماية مصر من أخطار الفيضانات والجفاف، وآخر هذه الإيجابيات أن وقى مصر الآثار المدمرة التي كانت متوقعة بملء خزان سد النهضة. ويبقى فضل الله أولا وأخيرا فوق كل فضل.
*الدكتور مجدي قرقر أستاذ التخطيط العمراني جامعة القاهرة