واشنطن تعمل على مقترح سلام جديد بين روسيا وأوكرانيا
قد يشهد تنازل كييف عن أراضٍ واسعة منها جزيرة القرم
- السيد التيجاني
- 20 نوفمبر، 2025
- اخبار العالم, تقارير
- أوكرانيا, اقتراح السلام الأمريكي, ترامب, روسيا, موسكو
في خطوة مفاجئة، كشفت مصادر لوكالة فرانس برس أن إدارة الولايات المتحدة تعمل على اقتراح سلام جديد لأوكرانيا قد يشهد تنازل كييف عن أراضٍ واسعة، بما في ذلك شبه جزيرة القرم، وخفض حجم الجيش الأوكراني إلى 400 ألف فرد، إلى جانب التخلي عن جميع الأسلحة بعيدة المدى.
اقتراح السلام الأمريكي وأبعاد التنازلات الأوكرانية
وقد وصف مسؤولون أوكرانيون هذه الشروط بأنها “تشبه الاستسلام” إلى حد بعيد، إذ تعكس مطالب موسكو القصوى التي رفضتها كييف منذ بداية الحرب.
ويبدو أن هذه المبادرة الأمريكية تأتي في إطار جهود دبلوماسية لإيجاد مخرج من الحرب المستمرة منذ ما يقرب من أربع سنوات، لكنها تثير تساؤلات حول مدى واقعية مثل هذه التنازلات، خاصة في ظل التصعيد العسكري الروسي المستمر.
ومن الملفت أن المصادر لم تحدد ما إذا كان هذا المقترح يمثل موقف إدارة ترامب السابقة أو مجرد أفكار من بعض مستشاريه، ما يضفي غموضًا على نوايا واشنطن الحالية.
في سياق متصل، وصلت وفود أمريكية رفيعة المستوى إلى كييف، برئاسة وزير الجيش الأمريكي دانيال دريسكول، للقاء المسؤولين الأوكرانيين ومناقشة سبل التسوية.
وأوضح المسؤولون الأمريكيون أن الهدف هو دفع روسيا نحو طاولة المفاوضات، مع الاستمرار في دعم كييف عسكريًا وماليًا، في محاولة للضغط على موسكو لتحقيق تسوية مقبولة دون انهيار الدفاع الأوكراني.
تحليل الخبراء يشير إلى أن أي تنازل كبير من أوكرانيا قد يكون له تداعيات خطيرة على الداخل الأوكراني، بما في ذلك التأثير على معنويات القوات المسلحة والشعب. وقد حذر البعض من أن الاعتراف بشبه جزيرة القرم كمكسب روسي سيشكل سابقة في السياسة الدولية، ويضع معايير خطرة لأي نزاع مستقبلي.
الهجوم الروسي على تيرنوبل وتأثيره الإنساني
بينما تستمر المحادثات الدبلوماسية، نفذت روسيا غارات صاروخية على مدينة تيرنوبل الغربية، بعيدًا عن خطوط المواجهة، ما أسفر عن مقتل 26 شخصًا، بينهم ثلاثة أطفال، وإصابة 92 آخرين، بينهم 18 طفلًا.
وأسفر القصف عن دمار واسع في المباني السكنية، مع ارتفاع مستويات الكلور في الهواء ستة أضعاف المعدل الطبيعي، ما أجبر السلطات على دعوة السكان للبقاء في منازلهم وإغلاق نوافذهم.
وقد صور الهجوم كيف يمكن أن تتحول الحرب إلى مأساة إنسانية بعيدة عن مناطق الاشتباك التقليدية. وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن الضحايا كانوا “نائمين في منازلهم”، مؤكدًا أن رجال الإنقاذ ما زالوا يبحثون عن أشخاص محاصرين تحت الأنقاض.
المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك وصف الهجوم بأنه “مذعور” من حجم الضحايا المدنيين، مشيرًا إلى استخدام الصواريخ بعيدة المدى والطائرات بدون طيار بشكل متزايد. هذا الهجوم يعكس تحول الصراع إلى استهداف بني تحتية مدنية، ما يزيد من الضغوط على كييف ويجعل مسار السلام أكثر تعقيدًا.
ردود فعل المجتمع الدولي جاءت متباينة، حيث أدانت عدة دول الهجوم ووصفته بانتهاك للقوانين الإنسانية، فيما لم يصدر رد رسمي من الكرملين سوى نفي وجود جديد في مسار التسوية السلمية. كما أثار الهجوم تساؤلات حول جدوى أي اتفاق سلام في ظل استمرار العمليات العسكرية العشوائية التي تستهدف المدنيين.
التوقعات المستقبلية
في الساحة السياسية، فشل الرئيس زيلينسكي في إعادة إشراك إدارة ترامب السابقة في جهود السلام خلال زيارة مفاجئة إلى تركيا، إذ لم ينضم المبعوث الأمريكي المتوقع، ولم يحضر أي مسؤول روسي.
ورغم ذلك، حث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأطراف المتحاربة على الانضمام إلى المحادثات، في محاولة لتكرار الجهود التي لم تسفر عن شيء سوى تبادل الأسرى وجثث القتلى خلال هذا العام.
التحليلات تشير إلى أن أي تسوية ستظل محفوفة بالمخاطر، سواء على المستوى العسكري أو السياسي. فتخلي أوكرانيا عن الأراضي أو الأسلحة بعيدة المدى قد يضعف موقفها الدفاعي في المستقبل، في حين أن استمرار الضربات الروسية على المدن الغربية يزيد من الضغط الداخلي ويهدد الدعم الدولي لأوكرانيا.
كما يرى خبراء أن الولايات المتحدة تواجه تحديًا مزدوجًا: دعم كييف لضمان عدم انهيارها العسكري، بينما تحاول دفع موسكو إلى مفاوضات جدية لإنهاء الحرب.
وتعتبر العقوبات الاقتصادية والضغط الدبلوماسي على روسيا من الأدوات الرئيسية، لكن فاعليتها تبقى محدودة إذا استمر النزاع العسكري بوتيرة تصاعدية.
ردود الفعل الشعبية في أوكرانيا تظهر قلقًا متزايدًا من أي تنازل عن الأراضي، مع شعور واسع بأن السلام المفرض بشروط قاسية قد يكون بمثابة خسارة وطنية، ما قد يثير احتجاجات داخلية أو توترات سياسية.
بالمقابل، يرى بعض المحللين أن أي مفاوضات محتملة ستحتاج إلى حلول مبتكرة تتجاوز التنازلات التقليدية، ربما عبر ترتيبات أمنية دولية أو ضمانات مؤقتة لإعادة الأراضي بعد فترة من الضمانات الأمنية، وهو ما لم يتم تناوله حتى الآن في أي من المقترحات.
الحرب في أوكرانيا تدخل مرحلة حساسة، حيث تتقاطع الضغوط العسكرية مع المبادرات الدبلوماسية المفاجئة. الاقتراح الأمريكي الجديد يضع كييف أمام خيار صعب بين السلام مع التنازلات الكبيرة أو استمرار الحرب مع تداعيات إنسانية كارثية، كما ظهر في هجوم تيرنوبل.
التحدي الأكبر يكمن في قدرة المجتمع الدولي على فرض شروط توازن بين الردع العسكري وحماية المدنيين، مع الحفاظ على سيادة أوكرانيا. الهجمات الروسية على المدنيين، والتباطؤ في مسار المفاوضات، يرفعان من احتمالات التصعيد، مما يجعل التوقعات المستقبلية غير مستقرة.
في النهاية، يبدو أن أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة أمام مفترق طرق حاسم، حيث سيحدد المزيج بين القوة العسكرية والضغط الدبلوماسي شكل المنطقة لعقود قادمة، بينما يظل المدنيون في قلب مأساة لا تتوقف.