اعتراف تاريخي بفلسطين من أربع دول غربية كبرى
التحول السياسي لا ينفصل عن الضغوط الشعبية المتزايدة
- السيد التيجاني
- 22 سبتمبر، 2025
- تقارير
- إسرائيل, الاعتراف بدولة فلسطينية, الامم المتحدة, التطبيع, الولايات المتحدة الأمريكية, بريطانيا, غزة
في تحول غير مسبوق في السياسة الخارجية الغربية منذ عقود، أعلنت كل من المملكة المتحدة، وأستراليا، وكندا، والبرتغال يوم الأحد 21 سبتمبر 2025، اعترافها الرسمي بدولة فلسطين.
القرار جاء بالتزامن مع انطلاق الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ليشكّل لحظة مفصلية في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ويضع هذه الدول في مواجهة سياسية مباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، أبرز الداعمين لتل أبيب.
هذا التحول ليس فقط خطوة سياسية، بل يحمل في طياته أبعادًا إنسانية، وقانونية، ودبلوماسية شاملة، ويعكس ضغوطًا شعبية متنامية داخل الدول الغربية، في ظل تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة وتصاعد الانتقادات الدولية للسياسات الإسرائيلية.
التحولات الدبلوماسية: من “التريث” إلى “الاعتراف”
لعقود طويلة، حافظت معظم الدول الغربية الكبرى، خصوصًا في مجموعة السبع، على موقف يعتبر أن الاعتراف بدولة فلسطين يجب أن يأتي فقط من خلال مفاوضات ثنائية مع إسرائيل تؤدي إلى تسوية نهائية.
إلا أن الاعتراف المفاجئ من أربع دول، من بينها دولتان من مجموعة السبع (بريطانيا وكندا)، يمثل كسرًا لهذا الإجماع الغربي.
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر صرّح في رسالة رسمية: “اليوم، ولإحياء أمل السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، تعترف المملكة المتحدة رسميًا بدولة فلسطين.”
أما نظيره الكندي مارك كارني، فكتب على منصة “تويتر”: “تعترف كندا بدولة فلسطين وتقدم شراكتنا في بناء الوعد بمستقبل سلمي لكل من دولة فلسطين ودولة إسرائيل.”
في ذات السياق، أكد وزير الخارجية البرتغالي باولو رانجيل أن هذه الخطوة تمثل تنفيذًا لسياسة قديمة اتفقت عليها الحكومة البرتغالية، وهي دعم حل الدولتين باعتباره “السبيل الوحيد لتحقيق سلام دائم”.
دلالات القرار: بين السياسة والتاريخ
يأتي اعتراف بريطانيا على وجه التحديد محمّلًا بدلالات تاريخية عميقة، بالنظر إلى أن المملكة المتحدة لعبت دورًا محوريًا في إنشاء دولة إسرائيل من خلال إعلان بلفور عام 1917. والآن، بعد أكثر من قرن، تعود لندن لتعلن اعترافها الرسمي بالدولة الفلسطينية، في خطوة تحمل بُعدًا رمزيًا وتاريخيًا هائلًا.
كما أن تصريحات نائب رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لامي تعكس وعيًا سياسيًا متزايدًا بـ”العبء التاريخي”، حيث قال في يوليو الماضي:”بريطانيا تتحمل عبئًا خاصًا من المسؤولية لدعم حل الدولتين.”
ردود الأفعال: ترحيب فلسطيني وغضب إسرائيلي
القيادة الفلسطينية رحّبت بالخطوة، واعتبرتها تطورًا بالغ الأهمية في مسار الاعتراف الدولي.
وقالت وزيرة الخارجية الفلسطينية فارسين أغابيكيان شاهين: “الاعتراف ليس رمزيًا… هذا يوجه رسالة واضحة للغاية للإسرائيليين بشأن أوهامهم حول استمرار الاحتلال إلى الأبد.”
أما إسرائيل، فقد عبّرت عن غضبها الشديد من الخطوة، واعتبرها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو “مكافأة للإرهاب”، قائلاً: “الدعوات لإقامة دولة فلسطينية تشكل خطرًا على وجودنا.”
كما توعد بمعارضة هذه الخطوة في محادثات الجمعية العامة للأمم المتحدة، مكررًا رفضه لأي تحركات أحادية خارج إطار التفاوض المباشر.
السياق الإنساني: غزة في قلب التحوّل
الاعتراف الدولي بدولة فلسطين جاء في خضم أزمة إنسانية غير مسبوقة في قطاع غزة، الذي يشهد منذ عامين دمارًا واسعًا نتيجة الحملة العسكرية الإسرائيلية المستمرة، والتي تصاعدت بشكل كبير منذ هجوم حماس في أكتوبر 2023.
ووفقًا لبيانات وزارة الصحة في غزة، المدعومة من الأمم المتحدة، فقد بلغ عدد الضحايا الفلسطينيين 65,208 شخصًا، معظمهم من المدنيين، في مقابل 1,219 قتيلًا إسرائيليًا، بحسب إحصاءات وكالة فرانس برس.
الصور المأساوية القادمة من غزة، والنقص الحاد في الغذاء والدواء، والانهيار الكامل للبنية التحتية، ساهمت في تغذية موجة تضامن شعبي غير مسبوقة مع الفلسطينيين في أوروبا وأمريكا الشمالية، ما دفع الحكومات إلى إعادة النظر في سياساتها التقليدية.
الضغط الشعبي وتحول الرأي العام
التحول السياسي لا ينفصل عن الضغوط الشعبية المتزايدة.
ففي بريطانيا، خرجت مظاهرات حاشدة بشكل شهري دعماً لفلسطين، كما أظهر استطلاع حديث لمؤسسة “يوجوف” أن 66% من البريطانيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عامًا يؤيدون الاعتراف بدولة فلسطينية.
هذا التحول في الرأي العام لا يقتصر على بريطانيا، بل يمتد إلى كندا وأستراليا، حيث واجهت حكومات البلدين ضغوطًا من المجتمع المدني، والكنائس، والمؤسسات الأكاديمية، والمنظمات الحقوقية، لاتخاذ موقف واضح يدعم حقوق الفلسطينيين.
الموقف الأمريكي: عزلة متزاي
الولايات المتحدة، رغم تأكيدها المتكرر على دعم “حل الدولتين”، ترفض الاعتراف بدولة فلسطين دون اتفاق تفاوضي مع إسرائيل.
الخطوة الأوروبية الأخيرة تضع واشنطن في موقف صعب، إذ باتت تظهر كداعم معزول لإسرائيل في وجه إجماع دولي متنامٍ.
حتى داخل أروقة الحزب الديمقراطي الأمريكي، بدأت أصوات تعلو تطالب بموقف أكثر توازنًا تجاه الصراع، خاصة في ظل الاحتجاجات الجامعية المتصاعدة منذ 2024، والتي تحوّلت إلى عنصر ضغط سياسي مهم قبيل الانتخابات الرئاسية 2026.
الخطوة التالية: من الاعتراف إلى التطبيق
رغم رمزية الاعتراف، فإن التحدي الأكبر يبقى في ترجمته إلى خطوات عملية تؤسس لقيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة.
المسائل العالقة من الحدود، إلى القدس، إلى اللاجئين – لا تزال دون حلول، كما أن الانقسام الفلسطيني الداخلي بين حماس والسلطة الفلسطينية يزيد من تعقيد المشهد.
لكن الاعتراف يمثل خطوة تأسيسية مهمة في اتجاه إعادة التوازن في مسار عملية السلام، ويدفع نحو تحرك دولي أوسع قد يُفضي في المستقبل إلى اتفاق شامل.
لحظة تاريخية وفرصة نادرة
اعتراف بريطانيا وأستراليا وكندا والبرتغال بدولة فلسطين لا يمثل فقط تحركًا دبلوماسيًا، بل هو تعبير عن تحوّل جذري في ميزان القيم والسياسات الدولية.
قد لا يُطعم الاعتراف وحده الأطفال في غزة، كما قال ديفيد لامي، لكنه “يمثل الأمل”، على حد تعبيره.
وهذا الأمل قد يكون، في زمن الانقسامات والأزمات، أحد أقوى الأسلحة في السعي نحو مستقبل يعترف بحق الجميع في العيش بسلام وأمان.؟.
ما جدوى هذا الاعتراف؟ وهل سيوقف الإبادة الجماعية؟
الاعتراف بدولة فلسطين من قبل بريطانيا، وكندا، وأستراليا، والبرتغال يُعدّ خطوة دبلوماسية ذات رمزية عالية وتأثير سياسي متنامٍ، لكنه لا يرقى في حد ذاته إلى مستوى الإجراءات الكفيلة بوقف الإبادة الجماعية أو إنهاء الاحتلال.
من حيث الجدوى السياسية والدبلوماسية، فإن الاعتراف:
يُقوّض الرواية الإسرائيلية بأن قيام دولة فلسطينية مشروط بموافقة تل أبيب.
يعزز الشرعية الدولية للحق الفلسطيني في تقرير المصير.
يشكل ضغطًا متزايدًا على الدول الغربية الأخرى، خاصة داخل الاتحاد الأوروبي، للمضي في خطوات مماثلة.
يفتح المجال أمام تحركات قانونية ودبلوماسية أوسع، مثل طلب عضوية كاملة لفلسطين في الأمم المتحدة أو اللجوء إلى محاكم دولية.
لكن من حيث الواقع الميداني والإنساني:
لم يصاحب هذا الاعتراف أي خطوات عملية فورية مثل فرض عقوبات على إسرائيل، أو إرسال قوات حماية دولية، أو رفع الحصار عن غزة.
لا توجد آليات تنفيذ واضحة لإجبار إسرائيل على تغيير سياستها تجاه الفلسطينيين أو وقف عملياتها العسكرية.
وبالتالي، فإن الإبادة الجماعية والكارثة الإنسانية المستمرة في غزة ستبقى قائمة ما لم يتحول هذا الاعتراف إلى سياسة ضغط فعّالة ومتصاعدة.
بمعنى آخر، الاعتراف لا يوقف الإبادة الجماعية بحد ذاته، لكنه قد يكون بداية لمسار يُفضي إلى تحرك دولي أوسع إذا ما توافرت الإرادة السياسية، واستمر الضغط الشعبي، وتحوّل “الاعتراف الرمزي” إلى أفعال ملموسة على الأرض.
الرهان الآن ليس على النوايا، بل على ما يلي الاعتراف من تدابير عملية: هل ستتبعه قرارات بمحاسبة إسرائيل؟ هل سيتم فرض قيود على الدعم العسكري؟ هل ستستخدم هذه الدول نفوذها في مجلس الأمن لتوفير حماية للشعب الفلسطيني.