استهلاك قياسي لـ«توماهوك» يُربك مخزون البنتاغون

خلال الحرب مع إيران

لم تعد أزمة صواريخ «توماهوك» مجرد مسألة تتعلق بمخزون سلاح تقليدي، بل تحولت إلى اختبار مباشر لقدرة الولايات المتحدة على خوض حرب طويلة عالية الكثافة من دون استنزاف أدوات الردع بعيدة المدى. فالاستخدام الكثيف للصواريخ خلال الحرب مع إيران كشف فجوة واضحة بين سرعة الاستهلاك وسرعة إعادة الإنتاج، ودفع واشنطن إلى التعامل مع الذخائر بعقلية أقرب إلى إدارة «رأس مال استراتيجي» لا يجوز استنزافه بلا حساب.

وتشير أحدث المعطيات إلى أن الولايات المتحدة أطلقت أكثر من 850 صاروخ «توماهوك» خلال الأسابيع الأولى من عملية «إبيك فيوري»، في واحدة من أكبر عمليات استخدام هذا السلاح في حملة عسكرية واحدة. وقدرت دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية «CSIS» مخزون البحرية قبل الحرب بنحو ثلاثة آلاف صاروخ في حدود التقديرات المتاحة علناً، ما يعني أن الاستهلاك كان ضخماً مقارنة بحجم المخزون، حتى مع استمرار وصول إنتاج جديد.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية أكبر لأن «توماهوك» ليس مجرد صاروخ للهجوم على أهداف بعيدة، وإنما يمثل أحد أعمدة القوة الضاربة للبحرية الأمريكية. فهو يُطلق من المدمرات والغواصات، ويسمح لواشنطن بضرب أهداف برية من مسافات بعيدة من دون تعريض الطائرات المأهولة أو حاملات الطائرات للخطر المباشر.

ولذلك كان استخدامه المكثف ضد أهداف إيرانية جزءاً من استراتيجية تقوم على إبقاء منصات الإطلاق البحرية خارج نطاق كثير من وسائل الرد الإيرانية، مع توجيه ضربات دقيقة إلى أهداف عسكرية حساسة.

الاستنزاف أسرع من إعادة البناء

المشكلة الأساسية التي تواجه البنتاغون ليست فقط عدد الصواريخ التي أُطلقت، وإنما الفارق بين معدل الاستهلاك ومعدل الإنتاج. ففي السنوات السابقة للحرب، كان إنتاج «توماهوك» محدوداً مقارنة بالوتيرة التي ظهر أن الحرب تحتاج إليها. ويشير تحليل CSIS إلى أن معدل الإنتاج كان أقل من 200 صاروخ سنوياً في الفترة الأخيرة، بينما تستهدف شركة RTX، المالكة لـ«رايثيون»، رفع الطاقة الإنتاجية إلى أكثر من ألف صاروخ سنوياً.

وفي تطور بالغ الدلالة، أعلنت البحرية الأمريكية في 17 أغسطس عن عقد بقيمة 22.9 مليار دولار مع «رايثيون» يمتد سبع سنوات، بهدف زيادة إنتاج «توماهوك» من معدلاته الحالية إلى أكثر من ألف صاروخ سنوياً. ويكشف حجم العقد أن واشنطن لا تتعامل مع الأزمة بوصفها نقصاً مؤقتاً، بل باعتبارها مشكلة هيكلية في قاعدة التصنيع الدفاعي تحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل.

ويرى مارك كانسيان، المستشار البارز في برنامج الأمن والدفاع في CSIS، مع الباحث كريس بارك، أن استهلاك 850 صاروخاً في فترة قصيرة يمثل حالة استثنائية تاريخياً، وأن المخزون الحالي لا ينبغي النظر إليه بمعزل عن احتياجات مسارح أخرى، وعلى رأسها المحيط الهادئ.

وهنا تكمن المفارقة: تستطيع الولايات المتحدة إنتاج المزيد، لكنها لا تستطيع إنتاجه بالسرعة نفسها التي تستطيع بها إطلاقه في حرب واسعة.

«توماهوك» ومشكلة الحرب المقبلة

الخطر الأكبر بالنسبة إلى المخططين العسكريين الأمريكيين لا يتعلق بإيران وحدها. فكل صاروخ «توماهوك» يُطلق في الشرق الأوسط هو صاروخ لن يكون متاحاً بالضرورة في أزمة أخرى، خصوصاً إذا اندلع صراع كبير في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

ويحذر تحليل CSIS من أن الولايات المتحدة ستواجه صعوبة في خوض حرب طويلة مع الصين بسبب نقص الذخائر بعيدة المدى ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي، إضافة إلى أن بعض الذخائر المتقدمة تحتاج إلى سنوات حتى تستعيد مستويات المخزون السابقة. ويشير التحليل إلى أن «توماهوك» يقع ضمن منظومة الأسلحة التي قد يستغرق تعويضها عدة سنوات، وليس أشهراً.

ويكتسب هذا التحذير وزناً أكبر لأن العقيدة الأمريكية الحديثة تعتمد على القدرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى في الأيام الأولى لأي حرب كبرى. فإذا كانت المدمرات والغواصات قادرة على إطلاق مئات الصواريخ خلال فترة قصيرة، فإن المشكلة تتحول بعد ذلك إلى سؤال بسيط: كم صاروخاً تستطيع المصانع تعويضه كل شهر؟

وهنا تظهر فجوة خطيرة بين «قدرة الضربة الأولى» و«قدرة الاستمرار».

الصناعة الدفاعية أمام اختبار صعب

الولايات المتحدة تمتلك أكبر قاعدة صناعات دفاعية في العالم، لكنها لا تستطيع تحويل خطوط الإنتاج إلى مصانع ضخمة بين ليلة وضحاها. فصناعة الصواريخ تعتمد على مكونات إلكترونية ومحركات وأنظمة توجيه ومواد متخصصة وموردين متعددين، وقد يؤدي نقص عنصر واحد إلى تعطيل خط الإنتاج بأكمله.

ولهذا فإن قرار رفع إنتاج «توماهوك» إلى أكثر من ألف صاروخ سنوياً لا يعني أن واشنطن ستستعيد مخزونها السابق فوراً. وتشير تقديرات منشورة إلى أن إعادة بناء المخزونات المستنزفة من الأسلحة المتقدمة قد تمتد لسنوات، مع تقديرات بأن استعادة مخزون «توماهوك» إلى مستويات ما قبل الحرب قد تمتد حتى نهاية العقد.

كما أن الأزمة لا تقتصر على «توماهوك». فقد واجهت الولايات المتحدة استنزافاً واسعاً في صواريخ الدفاع الجوي مثل «باتريوت» و«ثاد»، وهو ما دفع وزارة الدفاع إلى إبرام اتفاقات جديدة لتوسيع إنتاج مكونات تلك المنظومات.

بمعنى آخر، لا تواجه واشنطن أزمة صاروخ واحد، بل أزمة «سعة إنتاج» على مستوى قطاع الذخائر الدقيقة بأكمله.

الحاملة «جورج واشنطن» ورسالة إعادة التموضع

في موازاة أزمة الذخائر، تتحرك البحرية الأمريكية لإعادة توزيع قوتها في المنطقة. فقد بدأت حاملة الطائرات «جورج واشنطن» تحركها من اليابان باتجاه الشرق الأوسط، تمهيداً لاستبدال «أبراهام لينكولن» التي أمضت فترة طويلة في الانتشار لدعم العمليات المرتبطة بالحرب.

هذا التحرك يحمل رسالة مزدوجة.

الأولى عسكرية، تتمثل في الحفاظ على وجود بحري قادر على تنفيذ عمليات جوية وضربات بعيدة المدى وتأمين خطوط الملاحة.

أما الثانية فهي لوجستية؛ إذ إن إطالة انتشار «لينكولن» أظهرت أن حاملات الطائرات نفسها تحتاج إلى منظومة إمداد وصيانة ضخمة، وأن الحفاظ على وجود دائم في منطقة حرب يستهلك ليس فقط الذخائر، وإنما أيضاً السفن والطائرات والطاقم وقطع الغيار.

وقد أمضت «أبراهام لينكولن» أكثر من 240 يوماً في البحر، بحسب تقارير حديثة، وهو ما يوضح حجم الضغط الواقع على القوة البحرية الأمريكية.

التحدي الحقيقي: حرب طويلة لا ضربة خاطفة

إذا انتهت الحرب سريعاً، فإن مشكلة «توماهوك» يمكن إدارتها من خلال عقود الإنتاج الجديدة وتوسيع خطوط التصنيع. أما إذا تحولت المواجهة إلى حرب طويلة أو تجددت على مراحل، فإن الحسابات تصبح أكثر تعقيداً.

فالولايات المتحدة قد تكون قادرة على إطلاق مئات الصواريخ في بداية الحرب، لكنها ستكون مطالبة بعد ذلك بالاحتفاظ بمخزون كافٍ لردع روسيا والصين وكوريا الشمالية، فضلاً عن حماية القوات الأمريكية والقواعد المنتشرة حول العالم.

وهنا يصبح «توماهوك» جزءاً من معادلة الردع نفسها. فامتلاك آلاف الصواريخ لا يعني فقط امتلاك قدرة على ضرب الخصم، وإنما يعني أيضاً أن الخصم يعلم أن الولايات المتحدة تستطيع تنفيذ تلك الضربات إذا قرر التصعيد.

ويقول كانسيان، في تقديره لاحتياجات إعادة البناء، إن تعويض الصواريخ التي استُهلكت في الحرب ليس عملية سريعة؛ فقد أشارت تقديرات نقلتها Military Times إلى أن إعادة بناء 850 «توماهوك» المستهلكة قد تحتاج إلى عامين أو ثلاثة حتى مع زيادة الإنتاج.

التوقعات: سباق بين المصانع والحروب

السيناريو الأول هو نجاح واشنطن في احتواء الصراع، ما يمنح «رايثيون» والقطاع الدفاعي فرصة لإعادة بناء المخزونات تدريجياً. وفي هذه الحالة يصبح عقد الـ22.9 مليار دولار نقطة تحول في سياسة الذخائر الأمريكية، من الإنتاج المحدود إلى الإنتاج واسع النطاق.

السيناريو الثاني هو استمرار العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، وهو الأخطر؛ لأنه سيبقي معدل الاستهلاك أعلى من معدل التعويض، ويجبر البنتاغون على الاختيار بين احتياجات المنطقة ومخزونات الردع في أوروبا وآسيا.

أما السيناريو الثالث فهو اندلاع أزمة كبرى في المحيط الهادئ قبل اكتمال إعادة بناء المخزونات. وهنا ستظهر المشكلة التي يحذر منها خبراء CSIS بوضوح: الولايات المتحدة قد تمتلك حاملات طائرات ومدمرات وغواصات متطورة، لكنها تحتاج إلى ذخائر تكفي لاستخدام تلك المنصات في حرب طويلة.

لذلك فإن أزمة «توماهوك» ليست في حقيقتها أزمة صاروخ، وإنما أزمة زمن. فالصاروخ يمكن إطلاقه خلال دقائق، بينما يحتاج استبداله إلى أشهر أو سنوات. وهذه المعادلة هي التي أربكت حسابات البنتاغون: قدرة الولايات المتحدة على تدمير أهداف بعيدة المدى ما زالت هائلة، لكن القدرة على تعويض الذخائر المستهلكة بالسرعة نفسها أصبحت واحدة من أهم نقاط الضعف التي كشفتها الحرب.

والقرار الأمريكي الجديد برفع الإنتاج إلى أكثر من ألف «توماهوك» سنوياً يمثل اعترافاً عملياً بأن مرحلة المخزونات المحدودة قد انتهت، وأن الحروب الحديثة لا تُحسم فقط بمن يملك السلاح الأكثر تطوراً، بل بمن يستطيع إنتاجه واستبداله والاستمرار في استخدامه عندما تتحول الحرب من أسابيع إلى سنوات.

اترك تعليقا