هل تنجح واشنطن في فرض التغيير بأمريكا اللاتينية؟
من فنزويلا إلى كوبا وكولومبيا
- محمود الشاذلي
- 13 يناير، 2026
- اخبار العالم, تقارير
- الرئيس الأميركي, الضغط الاقتصادي والسياسي, دونالد ترامب, فنزويلا
تعكس تصريحات الإدارة الأميركية ملامح استراتيجية جديدة يتبناها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في التعامل مع كوبا، تقوم على الضغط الاقتصادي والسياسي بدل التدخل العسكري المباشر، في نهج تقول واشنطن إنه نجح سابقًا في فنزويلا، ويجري اليوم تكراره في هافانا.
وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، قدّم في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» قراءة واضحة لهذا التوجه، مؤكدًا أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى إحداث تغيير في كوبا عبر السلاح أو القوة العسكرية، بل من خلال أدوات الضغط المرتبطة بالطاقة والتجارة والعلاقات الاقتصادية الإقليمية.
إصلاحات بلا رصاص: النموذج الفنزويلي مرجعية لسياسة ترامب
بحسب رايت، فإن إدارة ترامب تعتمد ما وصفه بـ«القوة والحزم دون استخدام الأسلحة»، معتبرًا أن الرئيس الأميركي «لا يكرر السياسات الفاشلة»، بل يلجأ إلى حلول «مبتكرة وإبداعية» تحقق أهداف واشنطن بأقل كلفة ممكنة.
وأشار الوزير الأميركي إلى أن هذه المقاربة أدت، من وجهة نظر الإدارة، إلى «تحول جذري» في فنزويلا، ووضعت البلاد على مسار «أفضل بكثير» مقارنة بالسنوات السابقة.
ويرى مسؤولون في الإدارة الأميركية أن هذا النموذج، القائم على الضغط الاقتصادي المركّز بدل التدخل العسكري، يحقق مكاسب سياسية دون التورط في حروب أو خسائر بشرية، وهو ما شدد عليه رايت بقوله إن ترامب «حقق أهدافه دون إطلاق رصاصة واحدة، ودون سقوط أي قتلى أميركيين».
تمثل الطاقة إحدى الأدوات الرئيسية في هذه الاستراتيجية، حيث أكد وزير الطاقة الأميركي أن الرئيس قادر على استخدام ملف إمدادات النفط كورقة ضغط فعالة ضد كوبا، بما في ذلك إمكانية التأثير على صادرات النفط المكسيكية المتجهة إلى الجزيرة.
وقال رايت إن الرئيس الأميركي «يمكنه بالطبع استخدام هذه الأداة»، مضيفًا أن تنفيذ مثل هذا القرار – إذا اتُّخذ – «لن يكون معقدًا»، في إشارة إلى النفوذ الأميركي الواسع داخل منظومة الطاقة في نصف الكرة الغربي.
وتعكس هذه التصريحات رؤية داخل الإدارة تعتبر أن التحكم في مسارات الطاقة والتجارة يمكن أن يؤدي إلى إحداث تغييرات سياسية داخل الدول المستهدفة، دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر أو فرض احتلال.
توازن دقيق: الضغط دون إسقاط النظام
ورغم هذه اللهجة الحادة، تكشف تسريبات إعلامية عن مقاربة أكثر حذرًا داخل واشنطن. فقد أفادت شبكة «سي بي إس» الأميركية، نقلًا عن مسؤولين في الإدارة، بأن البيت الأبيض لا يعتزم حاليًا عرقلة إمدادات النفط من المكسيك إلى كوبا.
ووفقًا للتقرير، يقوم النهج الحالي لإدارة ترامب على «السماح للمكسيك بمواصلة توريد النفط» إلى كوبا، في إطار محاولة الحفاظ على خطوط تفاوض مفتوحة مع هافانا، وعدم دفع البلاد نحو انهيار شامل قد يخلّف تداعيات إنسانية أو موجات هجرة جديدة في المنطقة.
ونقل التقرير عن أحد المسؤولين الأميركيين أن الولايات المتحدة «لا تسعى إلى إسقاط الحكومة الكوبية»، بل ترغب في التفاوض مع السلطات في هافانا بشأن خروج تدريجي من النظام السياسي الحالي، بما يحقق مصالح واشنطن دون انفجار داخلي غير محسوب العواقب.
تأتي هذه الاستراتيجية في وقت يمر فيه الاقتصاد الكوبي بمرحلة شديدة الحساسية، إذ سبق للرئيس ترامب أن صرّح بأن التدخل العسكري في كوبا «غير مرجح»، معتبرًا أن البلاد «تنهار من تلقاء نفسها».
وأشار ترامب إلى أن الاقتصاد الكوبي، الذي كان يعتمد بشكل كبير على الدعم النفطي القادم من فنزويلا، بات اليوم «خاليًا من أي دخل حقيقي»، ما يجعل الضغوط الاقتصادية أكثر تأثيرًا من أي عمل عسكري مباشر.
ويرى مراقبون أن هذا الوضع يمنح واشنطن مساحة أوسع لاستخدام العقوبات غير المباشرة وأدوات الضغط الاقتصادي، مع الرهان على أن تؤدي الأزمة الاقتصادية الداخلية إلى دفع كوبا نحو تنازلات سياسية.
في المحصلة، تعكس سياسة «الضغط بدل البنادق» تحولًا واضحًا في أسلوب إدارة ترامب تجاه كوبا، قائمًا على إعادة هندسة موازين القوة عبر الاقتصاد والطاقة، لا عبر الدبابات والطائرات.
لكن هذا النهج، رغم انخفاض كلفته العسكرية، يبقى محفوفًا بالمخاطر، إذ قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات الإنسانية داخل الجزيرة، أو يدفع كوبا إلى البحث عن بدائل استراتيجية خارج الفلك الأميركي، في ظل صراع نفوذ متصاعد في أميركا اللاتينية.
وبينما تراهن واشنطن على نجاح سيناريو فنزويلا، تبقى كوبا اختبارًا جديدًا لقدرة الضغط الاقتصادي وحده على فرض التغيير، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا يريدها أي طرف.