احتجاجات فلسطين تُشعل جدلًا في الجامعات الأمريكية

كولومبيا تفرض قيودًا أمنية على الحرم الجامعي

في خطوة أثارت جدلاً واسعًا في الأوساط الأكاديمية والسياسية، أعلنت جامعة كولومبيا، إحدى أبرز الجامعات الأمريكية، موافقتها على دفع 221 مليون دولار لتسوية عدة تحقيقات فدرالية تتعلق باتهامات بالتقاعس في مكافحة معاداة السامية داخل الحرم الجامعي، خاصة خلال موجة الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين العام الماضي.

وأوضحت الجامعة في بيان رسمي صدر الأربعاء، أنها توصلت لاتفاق شامل مع الحكومة الفدرالية، سيُعيد تفعيل معظم المنح الفدرالية التي كانت قد جُمدت في مارس 2025، ويتيح لها الوصول إلى تمويلات مستقبلية بمليارات الدولارات.

تعود جذور الأزمة إلى خريف عام 2024، عندما شهدت عشرات الجامعات الأمريكية – وعلى رأسها كولومبيا وهارفارد – تظاهرات طلابية واسعة رفضًا للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. ومع تصاعد الغضب الطلابي، اتُهمت إدارة كولومبيا بأنها لم تتخذ إجراءات كافية لحماية الطلاب اليهود من “التحريض والترهيب”، وهو ما اعتبرته مجموعات يهودية ووسائل إعلام موالية لإسرائيل شكلاً من أشكال “معاداة السامية”.

وتصاعدت الضغوط الفدرالية بعد ذلك، خاصة من قبل إدارة الرئيس دونالد ترمب، التي شنت حملة ضد ما وصفته بـ”الانحياز اليساري” في جامعات النخبة، معتبرة أن هذه المؤسسات تُروّج لأفكار تتناقض مع القيم الأمريكية.

تنص التسوية المالية على دفع كولومبيا 200 مليون دولار خلال ثلاث سنوات، بالإضافة إلى 21 مليون دولار تُسدّد للجنة تكافؤ فرص العمل، لإغلاق تحقيق منفصل بشأن التمييز في التوظيف والقبول. ورغم هذا المبلغ الضخم، لم تعترف الجامعة بارتكاب أي مخالفات قانونية، وهو ما اعتبره محللون محاولة لحفظ ماء الوجه.

من بين الشروط الجديدة، وافقت كولومبيا على تطبيق قواعد أمنية مشددة تمنع التظاهر داخل المنشآت الأكاديمية، وتفرض رقابة أكبر على الطلاب الدوليين، بما يشمل مشاركة البيانات مع الحكومة حول الأنشطة الطلابية والإجراءات التأديبية، وهي إجراءات أثارت قلق المدافعين عن الحريات الأكاديمية.

في أغسطس الماضي، وفي خضم هذه الأزمة، استقالت رئيسة الجامعة، مينوش شفيق، بعد جلسات استجواب مكثفة في الكونغرس الأمريكي بشأن تعاملها مع الاحتجاجات. وجاءت استقالتها بعد حملة إعلامية ضاغطة قادتها جماعات ضغط تتهمها بـ”الفشل في حماية الطلاب اليهود”، بينما رأى آخرون أن استقالتها جاءت في ظل بيئة سياسية مسيّسة لا تترك مجالًا لحوار موضوعي.

وقالت كلير شيبمان، القائمة بأعمال رئيس الجامعة، إن الاتفاق “يمثل خطوة نحو طي صفحة التوتر”، مضيفة أن التسوية تمّت صياغتها “بما يحمي استقلال الجامعة وقيمها الأكاديمية”، مؤكدة على أن “الشراكة مع الحكومة الفدرالية ضرورية لدعم البحث العلمي والتميز الأكاديمي”.

الخطوة أثارت ردود فعل متباينة؛ فبينما رحبت بها بعض المؤسسات اليهودية باعتبارها “نموذجًا يجب تعميمه”، عبرت منظمات حقوقية وأكاديميون عن قلقهم من أن تفتح التسوية الباب أمام تقييد حرية التعبير داخل الجامعات، خاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

وفي هذا السياق، علّق أستاذ العلوم السياسية في جامعة برينستون، دانيال بيرغ، قائلاً: “ما يحدث الآن ليس مجرد تسوية مالية، بل إعادة تشكيل لدور الجامعات في الحياة السياسية والاجتماعية، بشكل قد يُفرغها من دورها النقدي التاريخي”.

في ظل استمرار النزاع بين جامعة هارفارد والحكومة الفدرالية حول اتهامات مشابهة، قد تُشكّل تسوية كولومبيا سابقة قانونية تُحتذى بها في ملفات أخرى. إلا أن مراقبين يحذرون من أن هذا النموذج قد يُستخدم لقمع الأصوات الناقدة، تحت غطاء مكافحة التمييز.

ومع تصاعد الضغط على الجامعات الأمريكية بشأن مواقفها من النزاعات الدولية، يبدو أن العلاقة بين الحرية الأكاديمية والسياسة تمر بمنعطف حاسم.