اتفاق ميركوسور: ما مصائر التجارة بين الشمال والجنوب؟
رأي صحيفة
- dr-naga
- 15 يناير، 2026
- رأي وتحليلات
- التجارة, التجارة الدولية, الشمال والجنوب, ترامب, ميركوسور
بعد مفاوضات شاقة ومعقدة استغرقت 25 سنة، تمّ التوصل إلى صيغة لإنشاء أكبر مناطق التجارة في العالم، بين دول الاتحاد الأوروبي، ودول في أمريكا اللاتينية تنتظمها سوق الجنوب المشتركة المسماة «ميركوسور» وتضم البرازيل والأرجنتين وباراغواي وأوروغواي. فإذا توّج الاتفاق بالتوقيع عليه نهائياً في باراغوي خلال الأيام المقبلة، فإن الصيغة لن تغطي أكثر من 700 مليون مستهلك في القارتين فقط، بل قد تصبح الأولى من نوعها على مستوى العلاقات التجارية بين الشمال والجنوب، بما يقترن بهذَين التوزعين الجيوسياسيين والاقتصاديين من مفاعيل عميقة وبعيدة الأثر، يمكن أن تشمل شعوب العالم بأسره.
بذلك فإن اتفاق ميركوسور سوف يطرح في المقام الأول سؤال مصائر التجارة بين قطب شمالي أوروبي تتمتع دوله بخصائص مثل الغنى والوفرة والاحتكار والتفرد والهيمنة واستغلال ثروات الشعوب من خلال تاريخ استعماري تتجدد أنماطه القديمة عقداً بعد آخر، وبين قطب جنوبي أمريكي لاتيني يصارع التنمية والاستقلال والبناء في شروط من اختلال التوازن مع كبار القابضين على مفاتيح التجارة الدولية.
والسؤال هذا لا يُطرح بمعزل عن ثلاثة عوامل كونية تترك أعمق الآثار على توازنات النظام الدولي الراهن وعلاقات الاجتماع الإنساني في بند حاسم مثل موازين التجارة الدولية، وإشكاليات تقاسم الثروات والمواد الخام، وصلة هذه الملفات بعلاقات القوة والهيمنة وأشكال السطوة السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية. العامل الأول هو انقسام العالم بين مجموعة الأغنياء كما تمثلها قمم مجموعة الدول الصناعية السبع، مقابل مجموعة الـ»بريكس» التي تضم دولاً فاعلة بينها الصين وروسيا والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا.
العامل الثاني هو أن الاختلال في معادلات التجارة الدولية لا ينفصل عن ركائز اجتماعية واقتصادية تخص النظام الرأسمالي وأعراف الإنتاج وعلاقاته وقواه، تكرس انفصال الشمال عن الجنوب بدل جسر الهوة بينهما. ولهذا فإن فرنسا الدولة تحفظت على اتفاق ميركوسور، بينما امتلأت شوارعها بتظاهرات احتجاج نظمها مزارعون فرنسيون تتهددهم هذه التجارة الوشيكة مع الجنوب، وكذلك فعلت بعض شرائح المزارعين في دول أوروبية أخرى مثل إيطاليا وإيرلندا وبولونيا وإسبانيا.
العامل الثالث يتصل بسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بصدد الزيادات في التعرفة الجمركية، والتي انتقلت باضطراد من مستوى القرارات التجارية والصناعية والإنتاجية إلى تشكيل رافعة ضغط سياسية على الشعوب قبل الأسواق، وتحولت وتتحول تباعاً إلى ذراع ضاربة للسياسة الخارجية الأمريكية، وإلى عقوبات غير مباشرة تتكاتف أيضاً مع طراز العقوبات المباشرة الصريحة.
وأياً كانت محاسن ومساوئ اتفاق ميركوسور في ناظر شعوب أوروبا وأمريكا اللاتينية، فإن الاحتجاجات على الطرق في إقليمي كتالونيا والباسك وإغلاق مداخل ومخارج ميناء تاراغونا، ما صعّب حركة العبور على الحدود الفرنسية -الإسبانية، إضافة إلى مشاهد مئات الجرارات الزراعية التي تغلق جادات رئيسية في مدن فرنسا تعيد التذكير باحتجاجات مماثلة على امتداد السنوات الأخيرة، وربما منذ بدء تطبيق اشتراطات السوق المشتركة في الاتحاد الأوروبي. هي كذلك تستدعي إلى الذاكرة حركة السترات الصفراء في فرنسا 2018، وموجات احتجاج أخرى في معظم أرجاء القارة، وهي استطراداً مظاهر اعتلال بنيوية في النظام الرأسمالي ذاته عموماً، وفي الأرياف وحقول الزراعة على نحو أخص.
المصدر: القدس العربي