اتفاق دمشق والأكراد: تهدئة مؤقتة أم تسوية دائمة؟

بعد سنوات من الصراع

في أعقاب أيام من التصعيد العسكري بين القوات الحكومية السورية ووحدات كردية مرتبطة بقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مدينة حلب، أعلنت دمشق والقوى الكردية، يوم الثلاثاء، التوصل إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار في شمال وشمال شرق البلاد.

جاء الإعلان عقب اجتماع غير مسبوق في دمشق بين الرئيس السوري أحمد الشرع والقيادي الكردي البارز مظلوم عبدي، وهو اللقاء الأول بين الطرفين منذ تولي الشرع السلطة بعد الإطاحة ببشار الأسد أواخر العام الماضي.

الاتفاق يشمل وقفًا فوريًا للقتال، وتنسيقًا ميدانيًا على الأرض بين القوات الحكومية والكردية، بالإضافة إلى بحث آليات تنفيذ اتفاق 10 مارس، الذي ينص على دمج قسد والأسايش في مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية.

لكن هل يمثل هذا الاتفاق اختراقًا حقيقيًا في مسار التسوية بين دمشق والإدارة الذاتية الكردية؟ أم أنه مجرد هدنة مؤقتة لاحتواء التوترات؟

في هذا التقرير، نستعرض خلفيات الصراع، تفاصيل الاتفاق، آراء الخبراء المحليين والدوليين، والسيناريوهات المتوقعة في المرحلة المقبلة.

خلفية التوتر: مطالب لامركزية ورفض حكومي

منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، تمكنت القوى الكردية بقيادة “قسد” من فرض إدارة ذاتية بحكم الأمر الواقع في شمال وشرق سوريا، خاصة في مناطق مثل الحسكة، الرقة، كوباني، ومنطقتي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب.

لكن رغم النجاحات العسكرية والسياسية التي حققتها الإدارة الكردية، لم تحظَ حتى الآن باعتراف رسمي من أي حكومة سورية، سواء في عهد الأسد أو بعد الإطاحة به.

ومع تشكيل الحكومة الجديدة في دمشق أواخر 2024، ظن البعض أن نافذة جديدة للحوار قد فُتحت. إلا أن السلطات الجديدة سارعت إلى رفض أي مشروع للحكم اللامركزي، واستبعدت مناطق الإدارة الذاتية من انتخابات البرلمان الأخيرة، ما أثار غضب الأكراد وزاد التوترات.

الاشتباكات الأخيرة في حلب، والتي أودت بحياة عنصر أمني ومدني، جاءت تتويجًا لفشل تنفيذ اتفاق 10 مارس الذي كان يُفترض أن يؤسس لإطار عمل مشترك بين الطرفين.

تفاصيل الاتفاق الجديد

بحسب بيان رسمي صادر عن وزارة الدفاع السورية، فإن الاتفاق الأخير ينص على:

وقف شامل لإطلاق النار في كافة مناطق الاشتباك، خاصة في حلب وشمال شرق سوريا.

تنسيق نقاط الانتشار العسكري بين القوات الحكومية وقسد.

البدء الفوري بتنفيذ اتفاق 10 مارس، مع مراجعة بعض البنود المتعلقة بدمج المؤسسات.

فتح الباب أمام مناقشات دستورية جديدة تضمن “تمثيل كافة مكونات الشعب السوري”.

اللافت أن الاجتماع شهد حضور المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك، وقائد القيادة المركزية الأمريكية براد كوبر، وهو ما يشير إلى دور أمريكي واضح في الضغط باتجاه التهدئة وربما التسوية.

آراء الخبراء: هل هو تحول استراتيجي؟

د. سمير العلي خبير في شؤون الشرق الأوسط:”الاتفاق يعكس حالة من النضج السياسي لدى الطرفين. دمشق تدرك أن إقصاء الأكراد لن ينجح، بينما تعي قسد أن المستقبل لا يمكن أن يُبنى على الانفصال أو التبعية للخارج. لكن تطبيق الاتفاق على الأرض هو التحدي الحقيقي”.

ريم حاج يوسف  باحثة سورية في مركز الحوار الوطني: “هذه خطوة جيدة لكنها جزئية ومحدودة. لا تزال هناك فجوات كبيرة، منها غياب الثقة، ورفض اللامركزية، ووجود قوى إقليمية تعارض أي تقارب كردي-عربي داخل سوريا”.

 

ريتشارد هانسون دبلوماسي غربي سابق: “من المهم أن نلاحظ توقيت الاتفاق. إنه يأتي بعد تغيّر في موقف واشنطن، التي باتت تفضل حلًا سوريًا داخليًا بدلًا من الاستمرار في دعم كيانات مستقلة في الشمال. ربما يكون هذا بداية لإعادة هندسة الخريطة السياسية لسوريا”.

العقبات أمام التنفيذ

رغم إيجابية الإعلان، يرى مراقبون أن تطبيق الاتفاق يواجه عدة تحديات:

1. غياب الثقة المتبادلة، لا سيما بعد سنوات من الصراع ومحاولات فاشلة سابقة للاندماج.

2. الملف الدستوري، حيث يرفض الأكراد مشروع الدستور المؤقت الذي لم يتضمن أي ذكر لحقوقهم أو لامركزية الإدارة.

3. قضية السيطرة الأمنية على الأحياء الكردية في حلب، خاصة في ظل اتهامات متبادلة بالحصار والتصعيد العسكري.

4. التدخلات الخارجية، لا سيما من تركيا، التي تعتبر أي تقارب بين دمشق وقسد تهديدًا لأمنها القومي.

5. موقف باقي فصائل المعارضة السورية، التي ترى في هذا الاتفاق نوعًا من إعادة إنتاج النظام السابق بشكل مختلف.

توقعات المرحلة المقبلة

تشير المعطيات إلى أن الاتفاق الأخير قد يكون فرصة حقيقية لتسوية داخلية، إذا توافرت الإرادة السياسية والضمانات الدولية.

السيناريو الإيجابي:

تبدأ خطوات تدريجية لدمج قسد والأسايش في الجيش السوري.

يتم تعديل الدستور المؤقت ليعكس تمثيلًا عادلاً لجميع المكونات.

تُجرى انتخابات محلية بإشراف أممي في مناطق الإدارة الذاتية.

تتقلص فرص الصدام بين الجيش وقسد في مناطق التماس.

السيناريو المتشائم:

يفشل الطرفان في تنفيذ الاتفاق ميدانيًا.

تعود الاشتباكات في حلب ومناطق أخرى.

يتزايد الضغط التركي، مما يدفع قسد لإعادة التموضع مع واشنطن.

تنهار فرص التسوية وتُفتح جبهات جديدة من النزاع.

دور واشنطن… وأين موسكو؟

اللافت في هذا الاتفاق هو الغياب الظاهر لروسيا التي كانت لسنوات القوة الداعمة الأولى للنظام السوري. مقابل ذلك، تصاعد دور واشنطن، التي ترعى التنسيق مع قسد، وتبدو اليوم منفتحة على دعم عملية اندماج هذه القوات ضمن الدولة السورية، بشرط بقاء النفوذ الأمريكي في المناطق النفطية.

موسكو، بحسب مصادر، ليست مرتاحة لهذا المسار، وقد تعود للعب دور في توجيه المعادلة، خاصة إذا شعرت أن واشنطن تحاول إعادة بناء النظام السوري بطريقة لا تحفظ مصالحها.

اتفاق هش أم بداية لتفاهم مستدام؟

لا شك أن الاتفاق بين الحكومة السورية الجديدة وقوات سوريا الديمقراطية يمثل تطورًا مهمًا في المشهد السوري المعقد. لكنه لا يزال اتفاقًا هشًا، قابلًا للانهيار في أي لحظة، ما لم يُدعَم بإجراءات ملموسة على الأرض، ومشاركة فعلية لجميع المكونات السورية في صنع القرار السياسي.

في النهاية، قد تكون اللامركزية السياسية والإدارية، وليس التقسيم أو العودة إلى المركزية الصارمة، هي الحل الواقعي الوحيد لبناء سوريا جديدة، تحمي جميع مكوناتها وتضع حدًا لأكثر من عقد من الصراع.