اتساع رقعة المواجهة

البحر الأحمر وبحر قزوين يدخلان قلب الصراع الإيراني

مع دخول الحرب المرتبطة بإيران مرحلة جديدة، تتجه المواجهة إلى ساحات بحرية متعددة تتجاوز الخليج العربي، في تطور يعكس تغيراً في طبيعة الصراع وأدواته. فبينما سجلت الجبهة الخليجية هدوءاً نسبياً بعد توقف الضربات الأمريكية المباشرة للمرة الأولى منذ نحو أسبوعين، شهد البحر الأحمر وبحر قزوين تصعيداً متزامناً ينذر بمرحلة أكثر تعقيداً، مع تزايد مخاطر توسع النزاع إقليمياً وتهديد طرق التجارة والطاقة.

في البحر الأحمر، أعلنت جماعة الحوثي تنفيذ هجمات استهدفت منشآت نفطية سعودية في جازان وينبع، في خطوة تؤكد انتقال المواجهة إلى أحد أهم الممرات البحرية العالمية. وتحدثت مصادر عن أضرار محتملة في مرافق تخزين الوقود، بينما أشارت تقارير إلى اعتراض صواريخ باليستية كانت تستهدف منشآت نفطية. ويكتسب هذا التصعيد أهمية خاصة لأن ميناء ينبع يمثل المسار البديل الأبرز لصادرات النفط السعودية التي تتجنب المرور عبر مضيق هرمز، ما يعني أن استهدافه يوسع نطاق الضغط على أسواق الطاقة العالمية.

ويأتي هذا التطور بعد إعلان الحوثيين فرض حصار بحري على السعودية، وتأكيدهم أن المنشآت النفطية السعودية أصبحت ضمن بنك أهدافهم. كما استهدفت الجماعة خلال الأيام الماضية ناقلات نفط في البحر الأحمر، وهو ما يثير مخاوف من اضطراب حركة الملاحة في واحد من أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم.

في المقابل، لم يقتصر التصعيد على البحر الأحمر، إذ اتهمت إيران أوكرانيا باستهداف سفينة تجارية إيرانية في بحر قزوين، مؤكدة أن الهجوم أدى إلى مقتل أحد البحارة وإصابة آخر. واستدعت طهران القائم بالأعمال الأوكراني للاحتجاج، معتبرة أن ما جرى يمثل عملاً عدائياً، بينما أشاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بما وصفه بنتائج “الضربات بعيدة المدى” في بحر قزوين دون تحديد جنسية السفن المستهدفة.

هذا التطور يفتح جبهة جديدة بعيدة عن الخليج والبحر الأحمر، ويشير إلى احتمال امتداد آثار الحرب إلى مناطق لم تكن في السابق جزءاً مباشراً من المواجهة، خاصة مع تبادل الاتهامات بين إيران وأوكرانيا بشأن الدعم العسكري والتقني المرتبط بالحرب الروسية الأوكرانية.

في الوقت نفسه، بدت الولايات المتحدة وكأنها تتجه إلى تهدئة مؤقتة في المواجهة المباشرة مع إيران. فقد أعلن الجيش الأمريكي استمرار الحصار البحري المفروض على إيران، لكنه لم ينفذ ضربات جديدة، فيما أوضح مسؤول في الإدارة الأمريكية أن الرئيس دونالد ترامب لا يزال يفضل المسار الدبلوماسي، مع الإبقاء على الضغط العسكري كوسيلة لدفع طهران نحو التفاوض.

كما ذكرت تقارير إعلامية أمريكية أن الإدارة قررت في الوقت الراهن تجميد خطط لتوسيع العمليات العسكرية، بسبب مخاوف من انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع قد تؤثر في إمدادات الطاقة العالمية، وتستنزف القدرات العسكرية الأمريكية، وتزيد التوتر مع حلفاء واشنطن في الخليج.

ويشير هذا التحول إلى أن واشنطن تحاول تحقيق توازن بين الردع العسكري ومنع الانفجار الإقليمي، خصوصاً في ظل حساسية أسواق النفط العالمية، التي لا تزال تراقب تطورات الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر معاً.

في اليمن، تزامن تصعيد الحوثيين مع استئناف العمليات العسكرية بين الجماعة والقوات الحكومية المدعومة من السعودية، حيث شنت القوات الحكومية غارات على مواقع ومستودعات أسلحة في مأرب والجوف، بينما أعلن التحالف العربي تنفيذ ضربات على أهداف عسكرية في الحديدة دون استهداف منشآت الميناء.

وتشير التحركات الميدانية إلى احتمال عودة الحرب الأهلية اليمنية إلى مستويات أكثر حدة بعد انهيار التهدئة التي استمرت منذ عام 2022، خاصة مع ارتباط العمليات الحالية بالحرب الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

ويرى مراقبون أن انخراط الحوثيين المباشر في الصراع الإقليمي يمنح طهران ورقة ضغط إضافية خارج الخليج، إذ يمكن استخدام البحر الأحمر لتهديد صادرات النفط والتجارة الدولية إذا تعذر التصعيد في مضيق هرمز.

اقتصادياً، يضاعف انتقال المواجهة إلى البحر الأحمر من المخاطر على أسواق الطاقة، لأن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر وقناة السويس قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويؤخر وصول الإمدادات إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية. كما أن استهداف منشآت النفط السعودية يثير مخاوف من تراجع الإمدادات إذا توسعت الهجمات.

وفي المقابل، فإن استمرار الحصار البحري الأمريكي على إيران يعني بقاء الضغوط على صادراتها النفطية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي في المنطقة، خاصة إذا استمرت العمليات العسكرية على أكثر من جبهة بحرية في وقت واحد.

سياسياً، تكشف التطورات أن الصراع لم يعد يقتصر على المواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، بل أصبح شبكة من النزاعات المتداخلة تشمل الحوثيين في اليمن، والتوتر مع أوكرانيا في بحر قزوين، والمخاوف الإسرائيلية، والحسابات الخليجية، ما يزيد صعوبة احتواء الأزمة عبر مسار تفاوضي سريع.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الهدوء النسبي في الخليج لا يعكس تراجعاً في مستوى التوتر، بل يعبر عن إعادة توزيع ساحات المواجهة. فبدلاً من تركيز العمليات في مضيق هرمز، أصبحت الحرب تمتد إلى البحر الأحمر وبحر قزوين، بما يوسع دائرة المخاطر الأمنية ويزيد الضغوط على التجارة الدولية وأسواق الطاقة، ويجعل أي تسوية سياسية أكثر تعقيداً في المرحلة المقبلة.