إيران تستعرض قوتها بإطلاق صواريخ قرب هرمز
لم يكن المشهد مجرد تدريب روتيني
- السيد التيجاني
- 5 ديسمبر، 2025
- تقارير
- إيران, الولايات المتحدة الأمريكية, مضيق هرمز, مناورات عسكرية
كانت مياه بحر عُمان في صباح الخامس من ديسمبر مختلفة عن المعتاد. فالصمت الذي يسبق حركة الملاحة اليومية كسره هدير صواريخ أطلقتها إيران في واحدة من أكبر المناورات البحرية التي يشهدها الإقليم منذ سنوات.
لم يكن المشهد مجرد تدريب روتيني، بل كان رسالة عسكرية وسياسية تتردد أصداؤها من طهران إلى واشنطن وتل أبيب وعواصم الخليج.
أعلن التلفزيون الإيراني أن الحرس الثوري أطلق صواريخ كروز وصواريخ باليستية من عمق الأراضي الإيرانية باتجاه أهداف في بحر عُمان والمناطق القريبة من مضيق هرمز. الصواريخ التي ظهرت في التجربة شملت قدر-110 وقدر-380 وغدير،
إضافة إلى الصاروخ الباليستي الجديد 303 الذي لم تكشف إيران تفاصيله كاملة. وقد أظهرت اللقطات دقة لافتة في إصابة الأهداف، ما دفع محللين إلى القول إن إيران أرادت إثبات قدرتها على استخدام منصات إطلاق داخلية يصعب رصدها.
تأتي هذه المناورات في سياق ما بعد الحرب الإيرانية الإسرائيلية التي اندلعت في يونيو الماضي. الحرب تركت جروحًا عميقة داخل إيران، حيث فقدت البلاد أكثر من ألف شخص بينهم قادة عسكريون وعلماء نوويون.
في المقابل، كانت إسرائيل قد تلقت ضربات صاروخية أدت إلى مقتل 28 شخصًا. هذه الحرب دفعت إيران إلى إعادة النظر في استراتيجيتها العسكرية، ومن ثم جاءت المناورات البحرية كخطوة لإعادة ترميم صورة القوة التي تأثرت بعد الضربات الإسرائيلية.
يرى الخبير في شؤون الشرق الأوسط الدكتور فريد العوضي أن إيران تسعى من خلال هذه المناورات إلى إعادة تقديم نفسها كقوة صلبة قادرة على الردع.
ويقول إن اختيار مضيق هرمز وبحر عُمان لإطلاق الصواريخ يحمل رمزية كبيرة، لأن أي نشاط عسكري في هذه المنطقة ينعكس فورًا على الأسواق العالمية وعلى حسابات القوى الكبرى. ويضيف العوضي أن إيران تريد إبلاغ إسرائيل والولايات المتحدة أنها لم تفقد القدرة على الرد.
مضيق هرمز يمثل نقطة محورية في التوازنات الدولية. فهو الطريق الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من تجارة النفط العالمية، وثلث تجارة الغاز المسال. أي اضطراب في هذه المنطقة يمكن أن يشعل الأسواق في ساعات ويعيد تشكيل خريطة الطاقة تمامًا.
يقول خبير الطاقة الأمريكي جاكوب هايدن إن المنطقة تشبه شريانًا حساسًا للغاية، وإن إطلاق الصواريخ في محيطها يرفع درجات القلق الاقتصادي حتى لو لم تكن هناك نية لعرقلة الملاحة. ويضيف هايدن أن مجرد ظهور منصات الإطلاق في بث تلفزيوني يؤدي إلى ارتفاع فوري في أسعار النفط.
في الجانب التقني، يرى الباحث العسكري الإيراني المعارض مهدي فرزانه أن إيران ركزت خلال المناورات على إظهار تكنولوجيا الصواريخ بعيدة المدى، خصوصًا تلك القادرة على المناورة فوق البحر. ويقول فرزانه إن صواريخ غدير وقدر صممت لتكون مرنة ورخيصة وفعالة، ما يجعلها مناسبة للحروب الطويلة ولإرباك الدفاعات البحرية المعادية.
ويعتقد أن الصاروخ 303 قد يكون محاولة لإنتاج صاروخ أكثر قدرة على المناورة، وربما بسقف ارتفاع أقل، ما يصعّب رصده.
في الخليج، كانت ردود الفعل حذرة. فالدول المطلة على المضيق تدرك أن أي تحرك إيراني يمكن أن يؤثر فورًا على أمنها وعلى حركة التجارة.
يقول المحلل الأمني الإماراتي عبدالرحمن الكعبي إن مشهد الصواريخ وهي تعبر فوق المياه يجعل المنطقة تعيش حالة تأهب ضمني، حتى لو لم تكن هناك نية مباشرة للتصعيد. ويضيف أن دول الخليج لا ترغب في مواجهة جديدة، لكن القلق حاضر لأن الخطأ يمكن أن يحدث بسهولة.
الولايات المتحدة كانت تراقب عن قرب. فالأسطول الخامس الأمريكي المتمركز في البحرين يعد القوة الأبرز في ضمان حرية الملاحة في المنطقة. يقول الأميرال الأمريكي المتقاعد جون مكفيرسون إن إيران اختبرت صبر واشنطن بهذه المناورات.
لكنه يؤكد أن الولايات المتحدة لن تسمح بأي تهديد للممرات البحرية. ومع ذلك، يشير إلى أن واشنطن لا ترغب في فتح جبهة صراع جديدة وتكتفي بالمراقبة وتجنّب التصعيد.
إسرائيل، التي خرجت من الحرب الأخيرة مع إيران بأعصاب متوترة، تتابع المناورات من بعيد. وترى الباحثة الإسرائيلية نوعام مزراحي أن تل أبيب تنظر إلى هذه المناورات باعتبارها محاولة إيرانية لتأكيد أن الصواريخ لم تتأثر بالحرب.
وأن طهران ما تزال قادرة على الرد. وتقول مزراحي إن إسرائيل ستتجنب ردًا عسكريًا مباشرًا لكنها ستركز على تعقب الصاروخ الجديد وجمع المعلومات حول قدراته.
الخبراء يحاولون رسم المستقبل استنادًا إلى حجم المناورات ووتيرتها. يرى اللواء سامي الحاج، الخبير الاستراتيجي العربي، أن إيران ستواصل إجراء مناورات بحرية مماثلة خلال العام المقبل لتعزيز الردع البحري.
ويقول إن ما ظهر في هذه المناورات يدل على رغبة إيران في نقل جزء من ثقلها العسكري إلى بحر عُمان ليكون بعيدًا عن الضربات المباشرة.
المحلل الخليجي وليد الشمري يرى أن المنطقة مقبلة على سباق تسلّح بحري واضح. ويشير إلى أن الدول الخليجية ستستثمر أكثر في أنظمة الدفاع الساحلي والطائرات بدون طيار والرادارات البحرية، لأن المناورات الإيرانية تعيد تعريف أمن الخليج البحري. وهو يرى أن المرحلة المقبلة ستشهد تغييرات كبيرة في تحالفات الطاقة والضمانات العسكرية.
وفي أوروبا، يحذر الدبلوماسي ماركوس ليرنر من مخاطر وقوع حادث غير مقصود خلال المناورات، معتبرًا أن وجود هذا الكم من الصواريخ والسفن العسكرية في مساحة بحرية ضيقة يجعل احتمال وقوع اشتباك عرضي مرتفعًا.
ويضيف ليرنر أن المنطقة أصبحت شديدة الحساسية، وأن أوروبا تخشى تأثير أي توتر على أسعار الطاقة التي ما تزال تواجه تقلبات منذ بدايات العقد.
أما خبير النفط العالمي إيريك لوسون فيقول إن ما يحدث قرب هرمز سيؤثر في أسعار النفط لعامين على الأقل. ويشير إلى أن الأسواق أصبحت شديدة الارتباط بالأنباء القادمة من الخليج، وأن أي إشارة ولو كانت صغيرة حول احتمالية إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة تؤدي إلى قفزات في الأسعار.
داخل إيران، كانت المناورات محل ترحيب واسع. يقول الصحفي الإيراني رضا كاشاني إن الشعب شعر بأن البلاد استعادت جزءًا من هيبتها المفقودة بعد الحرب. ويضيف أن ظهور الصواريخ في بث مباشر يمنح الإيرانيين شعورًا بالثقة في قدرات الجيش.
ومع ذلك، يحذر اقتصاديون إيرانيون من أن التوترات المستمرة قد تزيد من الضغط على الاقتصاد وتؤثر على العملة وقدرة البلاد على جذب الاستثمارات.
يتضح من مجمل المشهد أن المناورات لم تكن حدثًا عابرًا. فهي رسالة ردع، واستعراض قوة، وإعادة تموضع، وتجربة سلاح في الوقت نفسه. كما أنها جزء من معادلة إيرانية ترى أن أفضل طريقة لحماية المصالح الإيرانية هي الظهور بمظهر القوة القادرة على تهديد الخصوم ومنع أي هجوم محتمل.
لكن بقدر ما تحمل هذه المناورات من رسائل قوة، فإنها تحمل أيضًا طبقة من المخاطر. فالمضيق مزدحم بالسفن العسكرية والتجارية، وأي انحراف غير مقصود في مسار صاروخ يمكن أن يغيّر مصير المنطقة.
وعلى الرغم من حرص إيران على وصف المناورات بأنها دفاعية، فإن طبيعتها القريبة من ممرات تجارية حيوية تجعلها محل قلق دائم.
في نهاية المطاف، يبدو أن الخليج مقبل على مرحلة طويلة من التوازن الهش. إيران تؤكد حضورها بالقوة. الدول الخليجية تستعد بحذر. الولايات المتحدة تراقب بلا رغبة في التصعيد. إسرائيل تتابع وتحسب خطواتها. والأسواق العالمية تمسك أنفاسها مع كل صاروخ يُطلق فوق مياه عُمان.
هكذا يصبح السؤال ليس عن المناورة بحد ذاتها، بل عن مستقبل المنطقة. هل تستمر رسائل القوة دون اشتعال؟ أم أن الشرارة التي يخشاها الجميع قد تظهر في لحظة غير محسوبة؟
الأيام المقبلة وحدها تحمل الإجابة.