إعادة تدوير الأزمات.. أفضل وسيلة للبقاء في الحكم!
أحمد التومي يكتب
- dr-naga
- 24 أغسطس، 2025
- رأي وتحليلات
- "هرم ماسلو للاحتياجات الإنسانية, أحمد التومي, إعادة تدوير الأزمات, الأزمات, الحكم, تداول السلطة, نظرية الدافع البشري
في منتصف القرن الـ20، وتحديدا 1943، قدم عالم النفس الأميركي “أبراهام ماسلو” نظرية شهيرة بعنوان “نظرية الدافع البشري”، والتي أصبحت تُعرف لاحقا تعرف باسم “هرم ماسلو للاحتياجات الإنسانية”.
قسّم ماسلو احتياجات الإنسان إلى خمسة مستويات متصاعدة، تبدأ بالاحتياجات الفسيولوجية الأساسية، مثل الطعام والماء والمسكن، يليها مستوى الأمان، ثم الانتماء الاجتماعي، فالتقدير، وأخيرا قمة الهرم، وهي تحقيق الذات.
وكانت فكرته الجوهرية أن الإنسان لا يستطيع التفكير أو السعي نحو احتياجات عليا- مثل الإبداع، أو المشاركة في القرارات، أو المطالبة بالحقوق- إلا بعد أن يضمن تلبية احتياجاته الأساسية في القاعدة، وهي المسكن والغذاء والأمن.
في الأزمات التي يعيشها العالم اليوم، وخصوصا البلدان العربية، يعود هرم ماسلو إلى الواجهة بشكل متكرر.. كثير من النشطاء والمحللين يشبهون أوضاع هذه الدول، وخاصة تلك التي مرت برياح التغيير 2011، بنظرية ماسلو.
فبحسب المراقبين، تعمد السلطات في هذه البلدان إلى تدوير الأزمات من أجل إشغال الشعوب بالبحث عن أساسيات الحياة، وإبعادها عن المطالبة بالتغيير والحريات والتداول السلمي للسلطة، والتي تصنف -وفق الهرم- كنوع من الرفاهية الفكرية.
في الدول الغربية، حيث توجد أنظمة ديمقراطية، لا يستهدف تدوير الأزمات إلغاء الانتخابات أو إسكات المطالب السياسية بشكل مباشر، بل يُستخدم للتأثير على الرأي العام وتوجيهه
كيف تُبقي السلطة الناس في قاعدة الهرم؟
في العديد من الدول، خصوصا في العالم الثالث الذي يفتقر إلى التداول السلمي للسلطة، تُبقي الأنظمة شعوبها في حالة انشغال دائم بتأمين الخبز والوقود والكهرباء والدواء.
هذه الأزمات، حتى وإن كانت قابلة للحل، يعاد إنتاجها وتدويرها بشكل دوري؛ فتارة نجد أزمة دقيق، وأخرى أزمة وقود، وثالثة ارتفاعا حادا في أسعار الصرف، وأحيانا تأتي الأزمات بعد حملات أمنية مشددة يسوَّق لها على أنها لحفظ الأمن، لكنها في الواقع تزيد الضغط على حياة الناس.
وبهذه الطريقة، تبقى الشعوب عالقة في مستوى “البقاء على قيد الحياة” من هرم ماسلو، غير قادرة على الصعود نحو المطالبة بالحريات أو المشاركة السياسية أو مكافحة الفساد.
العالم العربي حكم الفرد وأزمة البقاء
في الدول العربية، حيث يسود حكم الفرد في معظم البلدان، تتجلى هذه السياسة بشكل واضح؛ فبعض الدول الغنية تعاني من أزمات وقود متكررة، وأخرى زراعية تواجه أزمة خبز مستمرة، فيما تكابد دول أخرى التضخم وانهيار أسعار العملة. هذه الظروف تجعل المواطن في سباق دائم لتأمين دخله وتحقيق الاستقرار المعيشي، في مشهد يبدو متناقضا، لكنه في الحقيقة انعكاس لسياسة مخطط لها.
توقيت هذه الأزمات ليس اعتباطيا؛ إذ تشتد غالبا عند بوادر احتجاجات، أو عند الحديث عن إصلاحات سياسية، ثم تُحل جزئيا لامتصاص الغضب، قبل أن تعود لاحقا.
الإعلام الرسمي يلعب دورا محوريا في هذا السياق، عبر خطاب يركز على “ضرورة الصبر” و”أهمية الاستقرار”، مع ربط أي دعوة للديمقراطية أو الانتخابات بالفوضى أو المؤامرات الخارجية.
حين تتحول الأزمات إلى أداة حكم، يصبح الجوع أو انقطاع الكهرباء أو الخوف من المجهول أكثر من مجرد مشاكل مؤقتة؛ تتحول هذه الأشياء إلى قيود على العقل والوعي
الدول الغربية نفس الأسلوب بلمسة ناعمة
في الدول الغربية، حيث توجد أنظمة ديمقراطية، لا يستهدف تدوير الأزمات إلغاء الانتخابات أو إسكات المطالب السياسية بشكل مباشر، بل يُستخدم للتأثير على الرأي العام وتوجيهه.
في الولايات المتحدة مثلا، تتكرر أزمات التأمين الصحي وأزمة الديون الحكومية لتصبح مادة أساسية في الحملات الانتخابية، مما يدفع المواطنين للانشغال بجدل “كيف ندفع الفواتير؟” بدل النقاش حول قضايا أعمق، مثل الرقابة على الحكومة أو السياسات الخارجية. وفي أوروبا، تُستغل أزمات الهجرة واللاجئين لإثارة الانقسام وكسب الأصوات لصالح أحزاب معينة، بدل وضع حلول جذرية لهذه القضايا.
التركيز على هذه الملفات في الحملات الانتخابية يجعل الناخبين يختارون من يعدهم برفع الدخل، أو تخفيض الضرائب وحل الأزمات الاقتصادية، بدل البحث عن قيادة سياسية تضمن استقرارا ديمقراطيا طويل الأمد.
حين تتحول الأزمات إلى أداة حكم، يصبح الجوع أو انقطاع الكهرباء أو الخوف من المجهول أكثر من مجرد مشاكل مؤقتة؛ تتحول هذه الأشياء إلى قيود على العقل والوعي.. عندها، لا غرابة أن تبقى الحرية والانتخابات والمحاسبة أحلاما مؤجلة، فيما يظل الناس عالقين في قاع الهرم، يركضون خلف أساسيات الحياة، غير قادرين على رفع رؤوسهم للنظر إلى القمة.