إسرائيل وإدارة توازن الرعب دون مواجهة مباشرة

في ظل صراع استراتيجي

تشهد الساحتان الشرق أوسطية وجنوب آسيوية إعادة تشكيل عميقة لمعادلات القوة الإقليمية، في ظل صراع استراتيجي تخوضه إسرائيل يتجاوز حدودها الجغرافية التقليدية،

ويستهدف مراكز ثقل إسلامية صاعدة تُعد، وفق التقدير الإسرائيلي، تهديدًا وجوديًا طويل الأمد. وتشمل هذه المراكز البرنامج النووي الإيراني، والقدرة النووية الباكستانية، إضافة إلى التوسع البحري والعسكري المتنامي للجمهورية التركية.

في هذا السياق، قالت الدكتورة  لُبنى فرح الإعلامية الباكستانية والمحللة السياسية تمتلك إيران ما يقارب 300 صاروخ باليستي طويل المدى، وتواصل تطوير برنامجها النووي، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم بدرجات مرتفعة.

كما تمتلك باكستان أكثر من 160 رأسًا نوويًا مدعومة بمنظومة صاروخية قادرة على تغطية معظم جنوب آسيا، مع استمرارها في تطوير قدرات صاروخية بعيدة المدى. أما تركيا، ورغم عدم امتلاكها للسلاح النووي، فهي تمتلك قوة برية تتجاوز 400 ألف جندي نشط، وسلاحًا بحريًا متقدمًا يشمل غواصات حديثة وسفن متعددة المهام، إلى جانب مشاريع محلية لتطوير صواريخ باليستية.

تنطلق المقاربة الإسرائيلية من إدراك واضح لمحدودية قدرتها على خوض مواجهات عسكرية مباشرة ومتزامنة مع هذه القوى الثلاث، ما دفعها إلى اعتماد استراتيجية غير تقليدية تقوم على الحرب غير المباشرة، عبر توظيف قوى دولية وإقليمية كأذرع تنفيذية، وتزويدها بتقنيات عسكرية متقدمة ونفوذ استخباراتي وسياسي، بما يحقق أهدافها دون الانخراط المباشر في ساحات القتال.

فيما يخص إيران، تشكّل الساحة الأمريكية الركيزة الأساسية في الاستراتيجية الإسرائيلية. فقد نجحت إسرائيل، عبر جماعات ضغط مؤثرة ومراكز أبحاث نافذة، في ترسيخ تصور داخل دوائر صنع القرار في واشنطن مفاده أن أمن إسرائيل جزء لا يتجزأ من الأمن القومي الأمريكي.

ويجري تقديم البرنامج النووي الإيراني بوصفه تهديدًا فوريًا للأمن الإقليمي والدولي، مع دفع الإدارة الأمريكية نحو سياسات الضغط الأقصى، ورفض أي تسوية دبلوماسية تمنح طهران هامش مناورة استراتيجي. كما تزوّد إسرائيل واشنطن بتقديرات استخباراتية دقيقة تدعم خيار الردع العسكري، مع تجنيب تل أبيب كلفة الحرب الشاملة.

في جنوب آسيا، اعتمدت إسرائيل الهند كمنصة استراتيجية متقدمة لاحتواء القدرات الباكستانية، لا سيما في المجالين النووي والصاروخي. وقد تطور التعاون العسكري بين الجانبين ليشمل أنظمة دفاع جوي متقدمة مثل “باراك-8”، وطائرات إنذار مبكر من طراز فالكون، وذخائر ذكية عالية الدقة،

إضافة إلى قدرات استخباراتية وسيبرانية متطورة. ويهدف هذا التعاون إلى إبقاء باكستان في حالة استنزاف استراتيجي دائم على جبهتها الشرقية، بما يقلل من قدرتها على توظيف قوتها النووية كورقة ردع فاعلة خارج الإطار الهندي–الباكستاني.

أما في شرق المتوسط، فتتحرك إسرائيل ضمن مقاربة احتوائية تستهدف كبح الطموحات التركية المتصاعدة، من خلال بناء شراكات عسكرية واستخباراتية وثيقة مع اليونان وقبرص.

وقد شمل ذلك اتفاقات دفاعية واسعة، أبرزها إنشاء مركز تدريب جوي متقدم لسلاح الجو اليوناني بإدارة إسرائيلية، إلى جانب تزويد أثينا بمنظومات “Spike NLOS” ذات القدرة العالية على استهداف الأهداف البحرية والبرية.

كما دخلت قبرص ضمن شبكة الرصد والدفاع عبر عروض إسرائيلية لتزويدها بأنظمة رادار ودفاع جوي متقدمة لمواجهة تهديد الطائرات المسيّرة التركية.

تؤكد هذه المعطيات أن إسرائيل تعتمد على مبدأ توازن الرعب غير المباشر، مدركةً استحالة خوض مواجهة مفتوحة مع إيران وتركيا وباكستان في آن واحد.

ولذلك، حوّلت قوى كبرى وإقليمية إلى خطوط مواجهة أمامية: الولايات المتحدة في مواجهة إيران، والهند في مواجهة باكستان، واليونان وقبرص في مواجهة تركيا، بما يمنحها عمقًا استراتيجيًا وحرية حركة سياسية وتكنولوجية واسعة.

وفي ضوء التطورات الراهنة، تشهد المنطقة تصاعدًا غير مسبوق في التوتر، وسط تحذيرات من مواجهة عسكرية وشيكة.

وتشير تقارير أمريكية وبريطانية إلى أن الرئيس الأمريكي يدرس تنفيذ ضربة عسكرية محدودة عالية التأثير ضد إيران، ضمن إطار عمل قصير وحاسم يهدف إلى إعادة ترسيخ معادلات ردع جديدة دون الانجرار إلى حرب شاملة.

وقد رافق ذلك تحركات دبلوماسية أوروبية، شملت إغلاق سفارات ودعوات إجلاء، إلى جانب إجراءات عسكرية احترازية في بعض القواعد الإقليمية.

تأتي هذه التطورات في سياق مرحلة ردع متبادل عالي الخطورة، تسعى فيها الأطراف الرئيسية إلى تحقيق مكاسب استراتيجية محدودة مع الحرص على عدم تجاوز الخطوط الحمراء التي قد تؤدي إلى حرب إقليمية واسعة، في وقت تعتمد فيه إيران استراتيجية إدارة تصعيد محسوبة تجمع بين رفع الجاهزية وتوجيه رسائل تهدئة تكتيكية.

وقالت الدكتورة لبنى فرح  في خلاصة تحليلها إن الاستراتيجية الإسرائيلية، رغم نجاحها المرحلي، تقوم على هشاشة بنيوية، لأنها تعتمد على توزيع الصراع لا حسمه، وعلى تأجيل المواجهة بدل إنهائها. وأكدت أن إسرائيل لا تنتصر بالقوة المباشرة، بل بإبقاء خصومها منشغلين بجبهات متعددة داخل شبكة تطويق معقّدة.

وأضافت أن السؤال الحاسم في المرحلة المقبلة لم يعد مرتبطًا بقدرة إيران وتركيا وباكستان على إدراك طبيعة هذه الحرب غير المباشرة، بل بموعد انتقالها من الإدراك إلى الفعل الجماعي، محذّرةً من أن أي تنسيق استراتيجي مضاد قد يفكك هذا الطوق من الداخل ويغيّر معادلات القوة الإقليمية بشكل جذري.