أين تقف الطائفة السنية في لبنان من قطار التطبيع؟

خيارات التهدئة وثوابت الهوية

الرائد: أعاد الجدل الذي رافق المذكرة الموقعة بين السلطة اللبنانية والجانب الإسرائيلي طرح سؤال قديم ومتجدد حول موقف الطائفة السنية في لبنان من مسألة التطبيع أو الاتفاقات مع إسرائيل. وقد ساد في بعض الخطابات السياسية والإعلامية انطباع بأن غالبية القوى اللبنانية، بما فيها البيئة السنية، باتت تتجه نحو قبول مثل هذه الاتفاقات أو عدم معارضتها.
إلا أن المواقف الصادرة عن عدد من المرجعيات والهيئات والشخصيات السنية تشير، وفق المعطيات المتداولة، إلى وجود اتجاه واسع داخل الساحة السنية يرفض أي مسار يُفهم منه التطبيع مع إسرائيل أو الانتقال إلى علاقات سياسية طبيعية معها:
أولاً: مواقف المؤسسات والتيارات الإسلامية السنية
برزت في هذا السياق مواقف كل من “الجماعة الإسلامية” و”هيئة علماء المسلمين” اللتين عبّرتا عن رفض أو انتقاد للمذكرة الموقعة، مع التحذير من تداعياتها السياسية والوطنية.
وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة لعدة أسباب:
1.تأكيد وجود اعتراض سني واضح على أي اتفاق يُنظر إليه بوصفه خطوة نحو التطبيع.
2.نفي الانطباع القائل بوجود إجماع لبناني أو سني مؤيد للاتفاق.
3.إبراز استمرار حضور القضية الفلسطينية والعداء لإسرائيل ضمن جزء معتبر من الخطاب الإسلامي السني في لبنان.
ثانياً: الجدل حول موقف دار الفتوى
أثار موقف “دار الفتوى” نقاشاً داخل الأوساط السنية، إذ اعتبر بعض المنتقدين أن موقفها منح السلطة اللبنانية غطاءً شرعياً أو سياسياً يمكن أن يُفسَّر على أنه قبول أو تسهيل لمسار التطبيع.
وفي المقابل، فإن الاعتراضات الصادرة عن هيئات دينية وسياسية سنية أخرى تعكس عدم وجود موقف سني موحد تجاه هذه المسألة، بل وجود تباين بين المرجعيات الرسمية وبعض القوى الإسلامية أو السياسية.
ثالثاً: الموقف الوطني العابر للطوائف
لا يقتصر رفض الاتفاقات مع إسرائيل، بحسب المعطيات الواردة، على البيئة السنية وحدها، إذ توجد مواقف رافضة داخل عدة مكونات لبنانية، من بينها:
•قوى وشخصيات شيعية، وعلى رأسها “حزب الله” و”حركة أمل”.
•شخصيات وأطراف مسيحية معارضة.
•شخصيات درزية، من بينها وليد جنبلاط.
•شخصيات سياسية أخرى تعلن تحفظها أو رفضها لأي مسار تطبيعي.
ويشير ذلك إلى أن الاعتراض على الاتفاقات مع إسرائيل يتجاوز الانقسامات الطائفية التقليدية، ويتخذ أحياناً طابعاً وطنياً عاماً.
رابعاً: البعد الشعبي
تستند بعض التقديرات إلى أن الرأي العام اللبناني ما يزال في غالبيته رافضاً للتطبيع مع إسرائيل، بغض النظر عن المواقف المختلفة من سلاح المقاومة أو من حزب الله.
وتُطرح هنا فرضية أن أي استطلاعات رأي مهنية ومستقلة قد تُظهر استمرار وجود أغلبية معارضة للتطبيع داخل المجتمع اللبناني، وإن كانت هذه الفرضية تحتاج إلى الاستناد إلى دراسات واستطلاعات موثقة وحديثة لتأكيدها بصورة علمية.
خامساً: من البيانات إلى الفعل السياسي
تذهب بعض القراءات إلى أن بيانات الرفض وحدها قد لا تكون كافية، وأن القوى الرافضة مطالبة بتحويل مواقفها إلى تحركات سياسية ومؤسساتية ضاغطة داخل البرلمان، والأحزاب، والهيئات الدينية والمدنية.
ويستند هذا الطرح إلى القناعة بأن غياب الضغط السياسي المنظم قد يؤدي إلى توسع نطاق التنازلات أو إلى تثبيت وقائع جديدة على المستوى السياسي أو القانوني.
تشير المعطيات المتداولة إلى أن قسماً مهماً من القوى والشخصيات والهيئات السنية في لبنان ما يزال يرفض أي اتفاق أو تفاهم يمكن أن يُفسَّر بوصفه تطبيعاً مع إسرائيل. كما أن هذا الرفض لا يقتصر على البيئة السنية، بل يمتد إلى قوى وشخصيات من مختلف الطوائف اللبنانية.
ومع ذلك، فإن المشهد السني اللبناني يبقى متنوعاً ومتعدداً، ولا يمكن اختزاله في موقف واحد أو جهة واحدة، الأمر الذي يستدعي المزيد من الدراسات الميدانية والاستطلاعات العلمية لرصد اتجاهات الرأي العام بصورة دقيقة.

اترك تعليقا