أوروبا تواجه خطر الحرب مع روسيا

بعد ثلاثة عقود من سقوط الاتحاد السوفياتي

تبدو أوروبا اليوم وكأنها تعود إلى ماضٍ كان يبدو أنه انتهى. فبعد ثلاثة عقود من سقوط الاتحاد السوفياتي، تعود أصوات المدافع لتذكّر القارة العجوز بأن السلام ليس قدرًا دائمًا. في عددها الأخير، حذّرت مجلة الإيكونوميست البريطانية من أن أوروبا تواجه تهديدًا وجوديًا، إذ تسعى روسيا إلى سحق أوكرانيا وتقويض وحدة حلف شمال الأطلسي (الناتو).

التحذير جاء مصحوبًا باستدعاء رمزي لتجربة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، الذي قال: “التاريخ يعلمنا أن الحروب تبدأ عندما تعتقد الحكومات أن ثمن العدوان رخيص.”

استدعاء الماضي لتفسير الحاضر

تذكير “الإيكونوميست” بمقولة ريغان يحمل رسالة واضحة: أن التراخي في الردع يشجع العدوان. فكما أدت سياسة المهادنة قبل الحرب العالمية الثانية إلى توسع النازية، فإن أي تردد أوروبي اليوم قد يمنح موسكو الوقت والمساحة لفرض واقع جديد على حدودها الغربية.

الدكتور سامي عبد الله، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة، يقول في تصريح لـ«التقرير»: “المجلة تُذكّر الأوروبيين بأن التاريخ لا يرحم المترددين. فروسيا تُجيد قراءة التناقضات داخل أوروبا وتستغلها لتوسيع نفوذها، تمامًا كما فعل الاتحاد السوفياتي في السبعينيات.”

روسيا الجديدة.. نفس النهج بوجه مختلف

تصف المجلة روسيا اليوم بأنها قوة تتصرف بمنطق الإمبراطوريات القديمة، مدفوعة بإحساس بالظلم التاريخي وبطموح لإعادة بناء مناطق نفوذها.

الباحث الفرنسي جان بيار لوران يرى أن موسكو تخوض حربًا تتجاوز أوكرانيا، ويقول: “الكرملين يعتبر أوكرانيا بوابة عبور نحو أوروبا الوسطى. إن لم يتم ردعه الآن، فستكون الموجة التالية ضد بولندا أو دول البلطيق.”

الانقسام الأوروبي… الثغرة التي تتسلل منها موسكو

ترى الإيكونوميست أن الوحدة الأوروبية تتآكل تحت ضغط الحرب. فبرلين وباريس تترددان في زيادة الدعم العسكري، بينما تضغط وارسو وفيلنيوس من أجل المواجهة المفتوحة. هذا الانقسام يُربك الناتو ويمنح موسكو مساحة للمناورة.

الخبير اللبناني رائد نصر يعلق قائلًا: “أوروبا تشبه اليوم جسدًا متعبًا يحمل رأسين؛ أحدهما يدعو للتفاوض والآخر للقتال. هذه الازدواجية تضعف مصداقية الردع وتغري روسيا بالمزيد من المغامرات.”

تراجع المظلة الأميركية

تؤكد المجلة أن تقلّص الدور الأميركي في دعم أوكرانيا وتباطؤ الكونغرس في إقرار المساعدات ليس تفصيلًا بسيطًا، بل مؤشر على تحول إستراتيجي نحو “أميركا المنكفئة”.

من وجهة نظر الإيكونوميست، فإن أوروبا مجبرة الآن على تحمّل مسؤولياتها الدفاعية.

وفي هذا السياق، يقول الكاتب السياسي الأردني عمر الكيلاني: “الانسحاب الأميركي النسبي من المشهد الأوروبي ليس ضعفًا بقدر ما هو إعادة توزيع للقوة. لكن أوروبا لم تتعلم بعد كيف تدير أمنها من دون واشنطن.”

اقتصاد الحرب وضغوط الداخل

تشير المجلة إلى أن روسيا أعادت ترتيب اقتصادها لخدمة المجهود الحربي، بينما يعاني الأوروبيون من ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع النمو.

وترى أن “الإرهاق الاقتصادي والاجتماعي” في أوروبا قد يصبح أداة ضغط روسية غير مباشرة.

المحللة الاقتصادية المغربية صفاء حمدون توضح:“عقوبات الغرب على موسكو ارتدت جزئيًا عليه. أوروبا الآن في اختبار توازن دقيق: كيف تعاقب روسيا دون أن تعاقب نفسها؟”

معركة الرواية والإعلام

تسلّط الإيكونوميست الضوء على الحرب الإعلامية التي تشنها موسكو، والتي تصوّر فيها نفسها كضحية للهيمنة الغربية، وتُظهر الأوروبيين كمتواطئين في معاناة أوكرانيا عبر “استمرار الحرب بلا جدوى”.

الخبير التونسي في الإعلام السياسي مروان الزغبي يصف الأمر بقوله: “روسيا فهمت أن السيطرة على العقول لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض. وقد نجحت نسبيًا في اختراق الرأي العام الأوروبي المتعب من الحرب.”

سباق التسلّح وعودة الردع

تحث المجلة الأوروبيين على زيادة ميزانيات الدفاع وتوحيد السياسات العسكرية. فالتسلّح ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لإقناع روسيا بأن كلفة العدوان ستكون باهظة.

اللواء المتقاعد فؤاد السبيعي من مركز الدراسات الإستراتيجية في عمّان يرى أن العودة إلى منطق الردع “حتمية”: “عندما تمتلك أوروبا القوة الكافية، يمكنها أن تتفاوض من موقع الندّية، لا من موقع الخوف. موسكو تحترم القوة فقط.”

بين المثاليات الأوروبية والواقعية الروسية

تلاحظ الإيكونوميست أن أوروبا ما زالت تُقيّد نفسها بخطاب القيم والشرعية الدولية، في حين تمارس موسكو سياسة قائمة على المصلحة البحتة.

وتقول المجلة إن أوروبا مطالبة اليوم بـ تحويل القيم إلى قوة فعلية عبر الدفاع عنها ماديًا، لا الاكتفاء بتكرارها في المؤتمرات.

الباحثة البحرينية د. إيمان الكعبي تلخص هذا المفهوم بقولها: “القيم من دون قوة تشبه القانون من دون شرطة. أوروبا تدافع عن مبادئها بالكلام، بينما روسيا تفرض رؤيتها بالقوة.”

أوكرانيا.. المرآة التي تعكس مصير القارة

تؤكد الإيكونوميست أن أوكرانيا ليست فقط ساحة حرب، بل حدّ فاصل بين عالمين: أوروبا الديمقراطية وروسيا الاستبدادية. فنتيجة الحرب ستحدد شكل القارة لعقود.

وإذا ما سقطت كييف، ترى المجلة أن ذلك سيشكل ضوءًا أخضر لتمدد روسي جديد نحو الغرب.

الباحث الفلسطيني أمين فاضل يرى أن “المعركة ليست فقط حول أوكرانيا، بل حول من يكتب مستقبل أوروبا”. ويضيف: “إذا انتصرت روسيا أو حتى تجنبت الهزيمة، فإن نموذج الردع الغربي كله سينهار.”

قراءة في الموقف العربي

من منظور عربي، يرى عدد من المحللين أن الأزمة تكشف عمق الازدواجية في السياسات الدولية.

الكاتب المصري خالد عبد الرحمن يقول:“الغرب يدافع عن أوكرانيا باسم الحرية، لكنه يتجاهل صراعات أخرى تُقتل فيها الشعوب دون أن يحرك ساكنًا. هذا التناقض يضعف الخطاب الغربي أخلاقيًا، رغم وجاهة موقفه الإستراتيجي.”

في المقابل، يشير الباحث الخليجي ناصر الدليمي إلى أن استمرار الحرب سيؤثر على أسواق الطاقة والغذاء العالمية، وبالتالي على المنطقة العربية مباشرة، مؤكدًا أن “أي تصعيد في أوروبا يعني تلقائيًا مزيدًا من الضغوط على اقتصادات الشرق الأوسط”.

نحو وعي أوروبي جديد

في ختام تقريرها، تدعو الإيكونوميست أوروبا إلى تبني وعي إستراتيجي جديد يقوم على الواقعية، والتكامل الدفاعي، وإعادة تعريف معنى السلام. فـ”السلام الحقيقي”، كما تقول المجلة، “لا يتحقق عندما يتعب الخصم من الحرب، بل عندما يدرك أن خوضها لم يعد ممكنًا.”

الخبير الأردني د. عماد التل يعلّق على ذلك بقوله: “ما تطرحه الإيكونوميست هو ببساطة دعوة لعودة أوروبا إلى نفسها، إلى قوتها وإرادتها، بعيدًا عن الاتكال المزمن على الآخرين.”

إن ما تواجهه أوروبا اليوم ليس مجرد حرب حدودية، بل اختبار لإرادة القارة في الدفاع عن قيمها ومصالحها.

تحذيرات الإيكونوميست تلتقي مع آراء كثير من الخبراء العرب والأوروبيين في نقطة جوهرية: أن العدوان يصبح ممكنًا عندما يعتقد المعتدي أن الثمن زهيد.

ولذلك، فإن الدرس الذي يلوح في الأفق هو ذاته الذي لقّنه التاريخ مرارًا: “السلام يحتاج إلى قوة، والوحدة الأوروبية هي تلك القوة التي إن غابت، لن يكون لأوروبا غدٌ آمن.”