أوروبا تعيد حساباتها بعد عودة ترامب

الاتحاد الأوروبي يتطلع إلى نيودلهي كشريك موثوق به

احتفلت الهند بيوم جمهوريتها، 26 يناير، وهو اليوم الذي يخلّد اعتماد دستورها عام 1950، بوصفه تعبيرًا عن وعد بالعدالة والحرية والمساواة. لكن خلف أجواء العروض العسكرية والاحتفالات الرسمية، كان هناك عامل سياسي غائب بالحضور، حاضر بالتأثير: عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. هذه العودة لم تغيّر فقط معادلات السياسة الأمريكية الداخلية، بل أعادت كذلك تشكيل حسابات أوروبا الاستراتيجية، ودفعتها إلى تسريع خطواتها نحو تعزيز شراكتها مع الهند.

على مدى عقود، قامت السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي على افتراض شبه ثابت مفاده أن التحالف عبر الأطلسي مع الولايات المتحدة هو حجر الزاوية في أمن القارة واستقرارها الاقتصادي. غير أن هذا الافتراض تعرض لاهتزازات متكررة خلال ولاية ترامب الأولى، حين تبنى خطابًا حادًا تجاه الحلفاء الأوروبيين، وانتقد حلف شمال الأطلسي، وفرض تعريفات جمركية على منتجات أوروبية، ولوّح مرارًا بإعادة النظر في التزامات بلاده الدفاعية. واليوم، مع عودته إلى السلطة، تجد بروكسل نفسها أمام احتمال تكرار هذا النمط، وربما تعميقه.

في هذا السياق، لم تعد أوروبا ترى في علاقاتها مع الولايات المتحدة ضمانة مطلقة، بل شراكة قابلة للتقلب وفقًا للاتجاهات السياسية في واشنطن. هذا الإدراك عزز توجهًا متناميًا داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي نحو تنويع الشراكات الاستراتيجية، وتقليل الاعتماد الأحادي على القوة الأمريكية، سواء في مجالات الأمن أو التجارة أو التكنولوجيا. ومن هنا، برزت الهند بوصفها شريكًا محوريًا في معادلة إعادة التموضع الأوروبية.

تتمتع الهند بثقل ديموغرافي واقتصادي يجعلها لاعبًا لا يمكن تجاهله في النظام الدولي. فهي اليوم الدولة الأكثر سكانًا في العالم، واقتصادها من بين الأسرع نموًا بين الاقتصادات الكبرى. كما أنها تقع في قلب منطقة المحيطين الهندي والهادئ، التي أصبحت مسرحًا رئيسيًا للتنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. بالنسبة لأوروبا، يمثل الانخراط العميق مع نيودلهي فرصة مزدوجة: فتح أسواق جديدة أمام الشركات الأوروبية، والمشاركة في موازنة النفوذ الصيني في آسيا.

زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى نيودلهي لحضور احتفالات يوم الجمهورية حملت دلالات تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي. فقد أكدت في تصريحاتها على أهمية تعزيز التعددية والشراكات مع “أكبر ديمقراطية في العالم”، في إشارة واضحة إلى الرغبة الأوروبية في ترسيخ علاقة استراتيجية طويلة الأمد مع الهند. هذه الزيارة جاءت في لحظة حساسة، حيث تتسارع التحولات في ميزان القوى العالمي، وتبحث أوروبا عن موطئ قدم أكثر استقلالية في آسيا.

غير أن التحرك الأوروبي لا يجري في فراغ. فالهند، بقيادة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، نسجت خلال السنوات الماضية علاقات متنامية مع الولايات المتحدة، سواء في مجالات الدفاع أو التكنولوجيا أو الطاقة. ومع عودة ترامب، برزت مؤشرات على تعزيز إضافي لهذا التقارب، من خلال اتفاقات تجارية وخفض محتمل للرسوم الجمركية، إضافة إلى تعهدات بزيادة التبادل التجاري. هذا التقارب الأمريكي–الهندي يضع أوروبا أمام تحدٍ واضح: إذا لم تتحرك بسرعة وفعالية، فقد تجد نفسها على هامش علاقة ثنائية قد تشكل أحد أعمدة النظام الدولي الجديد.

في الوقت ذاته، تعكس السياسة الأوروبية تجاه الهند تحولًا أعمق في فلسفة العمل الخارجي للاتحاد. لطالما قدم الاتحاد الأوروبي نفسه باعتباره “قوة معيارية”، تضع الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون في صلب علاقاتها الخارجية. إلا أن التعامل مع حكومة مودي، التي تواجه انتقادات من منظمات دولية بشأن حرية الصحافة وحقوق الأقليات، يكشف عن براغماتية متزايدة في مقاربة بروكسل. ففي عالم يتسم بصعود الصين، واستمرار الحرب في أوكرانيا، وتقلب السياسة الأمريكية، باتت الاعتبارات الجيوسياسية تتقدم على الخطاب القيمي.

هذا لا يعني أن أوروبا تخلت بالكامل عن مبادئها، لكنها أصبحت أكثر حذرًا في التعبير العلني عن انتقاداتها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بشركاء تعتبرهم ضروريين لتحقيق توازن استراتيجي. ففي المحادثات المغلقة، يُثار موضوع الحريات وحقوق الإنسان في الهند، لكن في العلن يطغى خطاب الشراكة الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. هذا التباين يعكس إدراكًا أوروبيًا بأن البيئة الدولية الحالية لا تتيح ترف المثالية، وأن المنافسة مع القوى الكبرى تتطلب تحالفات مرنة.

من جهة أخرى، تنظر الهند إلى أوروبا بوصفها شريكًا مهمًا، لكنه ليس بديلاً عن الولايات المتحدة. فنيودلهي تمارس سياسة خارجية قائمة على “التعددية الاستراتيجية”، أي تنويع العلاقات دون الانحياز الكامل إلى أي معسكر. فهي تحافظ على روابط دفاعية وتجارية مع واشنطن، وتستمر في استيراد النفط من روسيا، وفي الوقت نفسه توسع تعاونها مع الاتحاد الأوروبي. هذه المقاربة تمنح الهند هامش مناورة واسعًا، لكنها تفرض على أوروبا العمل بجد لضمان أن تكون شريكًا ذا قيمة مضافة حقيقية.

في هذا الإطار، لا يقتصر التقارب الأوروبي–الهندي على التجارة فقط، بل يشمل مجالات التكنولوجيا الخضراء، وسلاسل التوريد، والتحول الرقمي، وأمن الطاقة. تسعى أوروبا إلى تقليل اعتمادها على الصين في سلاسل الإمداد الحساسة، وترى في الهند شريكًا محتملًا لإعادة توطين بعض الصناعات أو تنويع مصادر الإنتاج. كما أن التعاون في مجال الطاقة المتجددة يمثل نقطة التقاء مهمة، في ظل التزام الطرفين بخفض الانبعاثات وتحقيق أهداف المناخ.

ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة. فالاتحاد الأوروبي ليس كتلة متجانسة بالكامل في نظرته إلى الهند. بعض الدول الأعضاء تعطي الأولوية للمصالح الاقتصادية، فيما تبدي أخرى تحفظات أكبر بشأن سجل الحريات. كما أن قدرة أوروبا على التحرك كقوة موحدة في السياسة الخارجية لا تزال محل اختبار، خاصة عندما تتعارض المصالح الوطنية مع الأهداف المشتركة.

في المحصلة، يمكن القول إن عودة ترامب لم “تجبر” أوروبا قانونيًا أو رسميًا على التوجه نحو الهند، لكنها خلقت مناخًا من عدم اليقين دفع القادة الأوروبيين إلى إعادة تقييم أولوياتهم. الخشية من تقلب الالتزام الأمريكي، والرغبة في تنويع الشركاء، والتنافس مع الصين، كلها عوامل تلاقت لتجعل من الهند ركيزة أساسية في الاستراتيجية الأوروبية الجديدة.

الهند بالنسبة لأوروبا ليست مجرد سوق واعدة، بل شريك في إعادة تشكيل النظام الدولي. أما بالنسبة لواشنطن، فهي حليف محتمل في مواجهة الصين. وبين هذين القطبين، تحاول نيودلهي الحفاظ على استقلاليتها وتعظيم مكاسبها. وهكذا، يتحول “شبح ترامب” من مجرد عنصر في السياسة الأمريكية إلى عامل مؤثر في إعادة رسم شبكة التحالفات العالمية.

إن ما نشهده ليس مجرد تقارب ثنائي، بل إعادة توزيع للأدوار في عالم متعدد الأقطاب يتشكل على وقع الأزمات والحروب والتنافس الاقتصادي. أوروبا، التي كانت تعتمد لسنوات على مظلة أمريكية شبه مضمونة، تجد نفسها اليوم مطالبة ببناء شبكة أوسع من الشراكات. والهند، الصاعدة بثقلها السكاني والاقتصادي، تمثل إحدى أهم محطات هذا التحول.

في نهاية المطاف، تكشف هذه التطورات أن السياسة الدولية لم تعد تقوم على ثوابت جامدة، بل على حسابات متحركة تتأثر بالانتخابات والقيادات والشخصيات. عودة ترامب إلى البيت الأبيض كانت كافية لإطلاق موجة جديدة من إعادة التموقع الأوروبي، وجعلت من الهند لاعبًا أكثر مركزية في الرؤية الاستراتيجية لبروكسل. وبينما تستمر التحولات، يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة أوروبا على تحقيق استقلاليتها الاستراتيجية، ومدى استعداد الهند للعب دور يتجاوز حساباتها التقليدية في موازنة القوى.