أوروبا تعزز نفوذها في جنوب آسيا

التدخلات الناعمة وأدوات النفوذ

الرائد: في الوقت الذي تحتدم فيه المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، تتحرك القوى الأوروبية بخطوات عملية لتعزيز نفوذها في جنوب آسيا، لا سيما في الهند وباكستان وبنغلاديش وسريلانكا. هذا الحضور لا يقتصر على البيانات السياسية، بل يمتد إلى استثمارات بمليارات اليوروهات، واتفاقات دفاعية، وضغوط تجارية، ومبادرات بنية تحتية، وسط سؤال محوري: هل تتحرك أوروبا باستقلالية استراتيجية، أم في إطار تنسيق غربي تقوده واشنطن؟
إطار استراتيجي معلن: “البوابة العالمية” والحياد الحذر
أطلقت المفوضية الأوروبية برئاسة أورسولا فون دير لاين مبادرة Global Gateway بميزانية تصل إلى 300 مليار يورو عالميًا، كخطة لتمويل مشاريع البنية التحتية المستدامة، وقد وُصفت صراحة بأنها بديل أوروبي لمبادرة الصين “الحزام والطريق”. وقالت فون دير لاين في أكثر من مناسبة إن الهدف هو “تقديم شراكات شفافة وعالية المعايير، لا تؤدي إلى أعباء ديون غير مستدامة”.
ويؤكد مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل أن أوروبا تتبنى نهج “تقليل المخاطر مع الصين، لا فك الارتباط الكامل”، في إشارة إلى رغبة بروكسل في الحفاظ على علاقات اقتصادية مع بكين، مع الحد من الاعتماد المفرط عليها.
الهند: الشريك الاستراتيجي الأول
تُعد فرنسا الشريك الاستراتيجي “الأول” للهند في أوروبا والغرب عموماً، حيث أطلق البلدان أول شراكة استراتيجية هندية مع دولة غربية في 26 يناير 1998.
فيما يلي أبرز الأمثلة على ريادة هذه الشراكة وشراكات أوروبية أخرى:
فرنسا: الشريك الاستراتيجي “الأول” والتاريخي
كانت فرنسا أول دولة غربية ترفع علاقاتها مع نيو دلهي إلى مستوى “الشراكة الاستراتيجية” عام 1998، ورفضت حينها فرض عقوبات على الهند بعد تجاربها النووية.

التعاون الدفاعي: يُعتبر جوهر الشراكة؛ حيث تسلمت الهند 36 طائرة رافال فرنسية، واكتمل بناء 6 غواصات من طراز “سكوربين” في الهند بحلول يناير 2025.

الطاقة النووية والفضاء: يتعاون البلدان في مشروع محطة “جايتابور” النووية، وفي مارس 2025 تم رفع مستوى مشاركة الهند في تمرين “AsterX” الفضائي العسكري بفرنسا من مراقب إلى مشارك.

الاتحاد الأوروبي: الشريك التجاري الأكبر

اتفاقية تاريخية: أعلنت الهند في 27 يناير 2026 التوصل إلى اتفاقية تجارة حرة “تاريخية” مع الاتحاد الأوروبي، مما يمهد لإنشاء واحدة من أكبر مناطق التجارة الحرة عالمياً.

أرقام قياسية: يُعد الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري للهند في السلع؛ حيث بلغ حجم التبادل التجاري حوالي 137.5 مليار دولار في السنة المالية 2023/2024.

 ألمانيا وإيطاليا: شراكات تكنولوجية متصاعدة

ألمانيا: تُعد الشريك التجاري الأول للهند داخل الاتحاد الأوروبي (كفرع من التبادل الإجمالي)، وتركز الشراكة حالياً على “الهيدروجين الأخضر” والتقنيات العسكرية المتطورة، مع توقيع أكثر من 24 اتفاقية خلال زيارة المستشار الألماني الأخيرة في عام 2025.

إيطاليا: تم رفع العلاقات إلى “شراكة استراتيجية” مؤخراً، مع التركيز على التعاون في مجال الدفاع، والتحول الرقمي، وممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC).

المملكة المتحدة: شراكة ما بعد “البريكست”

تركز نيو دلهي ولندن على “خارطة طريق 2030” لتعاون أوثق في مجالات الدفاع والأمن البحري، مع استمرار المفاوضات حول اتفاقية تجارة حرة ثنائية منفصلة عن الاتحاد الأوروبي.

باكستان: شراكة تجارية بشروط سياسية
في باكستان، يعتمد الاتحاد الأوروبي على أداة GSP+ التي تمنح إسلام آباد إعفاءات جمركية واسعة مقابل التزامها بمعايير حقوق الإنسان والحوكمة.
ويُعد الاتحاد الأوروبي أكبر سوق لصادرات باكستان، خصوصًا في قطاع المنسوجات.
غير أن بروكسل لوّحت أكثر من مرة بإعادة تقييم الامتيازات التجارية في حال الإخلال بالالتزامات الحقوقية.
في المقابل، تبقى الصين المستثمر الأكبر في باكستان عبر الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC) الذي تتجاوز قيمته 60 مليار دولار، ما يجعل النفوذ الأوروبي اقتصاديًا لكنه غير مهيمن.
بنغلاديش: الاقتصاد بوابة النفوذ
تُعد بنغلاديش أحد أكبر مصدري الملابس الجاهزة إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل السوق الأهم لصادراتها.
وتستفيد داكا من نظام تجاري تفضيلي خاص بالدول الأقل نموًا، لكن انتقالها المتوقع إلى وضع اقتصادي أعلى قد يفرض شروطًا تجارية أكثر صرامة.
دبلوماسيون أوروبيون شددوا على أن دعم الاستقرار السياسي والانتخابات الشفافة في بنغلاديش “ضروري لحماية بيئة الاستثمار”.
وفي الوقت نفسه، تسعى أوروبا إلى تمويل مشاريع طاقة خضراء وربط كهربائي، في إطار منافسة هادئة مع التمويل الصيني للبنية التحتية.
ميزان الاستثمار والنفوذ
الصين: استثمارات ضخمة في باكستان (أكثر من 60 مليار دولار في CPEC)، ومليارات في موانئ وطرق في بنغلاديش وسريلانكا.
الاتحاد الأوروبي: شريك تجاري أول أو ثانٍ للهند وبنغلاديش، واستثمارات مباشرة بمليارات اليوروهات في التكنولوجيا والطاقة المتجددة والصناعة.
الولايات المتحدة: تركيز أكبر على التعاون الدفاعي وسلاسل التوريد، واستثمارات خاصة ضخمة، لا سيما في الهند.
الفارق الجوهري أن الصين تركز على البنية التحتية الثقيلة والقروض الحكومية، بينما تعتمد أوروبا على الاستثمار الخاص والتجارة المشروطة بالمعايير.
هل أوروبا تتحرك بتنسيق مع واشنطن؟
هناك تقاطع واضح في الأهداف العامة:
•دعم الهند كقوة موازنة للصين.
•حماية سلاسل التوريد.
•الدفاع عن حرية الملاحة.
لكن أوروبا تتجنب لغة “الاحتواء” التي تستخدمها واشنطن.
ألمانيا، على سبيل المثال، أكدت في استراتيجيتها تجاه الصين أن بكين “شريك ومنافس ومنافس منهجي في آن واحد”.
بعبارة أخرى، أوروبا أقرب إلى الولايات المتحدة استراتيجيًا، لكنها تحافظ على هامش مناورة اقتصادي مع الصين.
التدخلات الناعمة وأدوات النفوذ
تستخدم القوى الأوروبية في الهند استراتيجية “القوة الناعمة” (Soft Power) كأداة مكملة للشراكات العسكرية والاقتصادية، وذلك لتعزيز نفوذها في بلد يمتلك ثاني أكبر تجمع سكاني في العالم وطبقة متوسطة صاعدة.
تعتمد هذه التدخلات على عدة أدوات رئيسية، تهدف من خلالها أوروبا إلى صياغة التوجهات الثقافية والسياسية والبيئية للهند بما يتوافق مع المعايير الأوروبية:
*التعليم والتبادل الأكاديمي (الأداة الأقوى)
تُعد أوروبا المنافس الأول للولايات المتحدة في جذب العقول الهندية، حيث يتم استخدام التعليم كجسر للنفوذ:

برامج المنح: مثل برنامج Erasmus+ التابع للاتحاد الأوروبي، ومنح Chevening البريطانية، و DAAD الألمانية. هذه البرامج تصنع نخبة هندية تدين بالولاء الثقافي لأوروبا.

الفروع الجامعية: بدأت جامعات أوروبية (خاصة من إيطاليا وفرنسا) في فتح فروع لها أو عقد شراكات مع المعاهد الهندية للتكنولوجيا (IITs) لنقل المناهج والقيم الأكاديمية الأوروبية.

*المؤسسات الثقافية واللغوية
تعمل هذه المؤسسات كأذرع دبلوماسية ناعمة تتغلغل في المجتمع المدني الهندي:

المراكز الثقافية: (Alliance Française) الفرنسي، و (Goethe-Institut) الألماني، و (British Council). لا تكتفي هذه المراكز بتعليم اللغات، بل تنظم مهرجانات سينمائية وفنية تروج للقيم الليبرالية الأوروبية.

دعم الفنون: تمويل المشاريع الفنية الهندية المستقلة التي تركز على قضايا حقوق الإنسان، والمساواة، والتعددية.

*دبلوماسية المناخ والتحول الأخضر

تستغل أوروبا تفوقها التكنولوجي في مجال الطاقة النظيفة لفرض “معايير” معينة على الصناعة الهندية:

التمويل الأخضر: يقدم بنك الاستثمار الأوروبي (EIB) قروضاً ميسرة لمشاريع النقل المستدام (مثل مترو الأنفاق في المدن الهندية)، مما يجعل الهند تعتمد تقنياً ومعيارياً على الخبرات الأوروبية.

شراكات الاستدامة: الضغط عبر “اتفاقيات التجارة الخضراء” لدفع الهند نحو تبني قوانين بيئية تتوافق مع “الميثاق الأخضر الأوروبي”.

*دعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان
يمارس الاتحاد الأوروبي نفوذاً ناعماً من خلال تمويل المنظمات غير الحكومية (NGOs) في الهند:

القضايا الاجتماعية: التركيز على دعم حقوق الأقليات، وحرية الصحافة، وحقوق المرأة.

أداة الضغط: غالباً ما تُستخدم التقارير الحقوقية الصادرة عن البرلمان الأوروبي كأداة “تنبيه” أو ضغط في المفاوضات التجارية لإجبار الهند على الالتزام بمعايير معينة.

*الرقمنة والمعايير التقنية

تحاول أوروبا تصدير نموذجها في “حماية البيانات” (GDPR) إلى الهند:

تتدخل أوروبا ناعماً من خلال تقديم المشورة الفنية للحكومة الهندية لصياغة قوانين الخصوصية الرقمية، لضمان توافق السوق الرقمي الهندي الضخم مع القواعد الأوروبية، مما يعيق تمدد الشركات التكنولوجية الصينية أو الأمريكية أحياناً.

*مقارنة تأثير الأدوات الأوروبية
الأداة الدولة الرائدة الهدف الاستراتيجي
التعليم المملكة المتحدة / ألمانيا بناء ولاء النخبة المستقبلية
الثقافة فرنسا / إيطاليا تعزيز الصورة الذهنية والجاذبية
المناخ الاتحاد الأوروبي (ككتلة) السيطرة على معايير السوق الصناعي
الحقوق البرلمان الأوروبي الضغط السياسي غير المباشر
لا توجد قواعد عسكرية أوروبية جديدة في جنوب آسيا، لكن الوجود البحري الفرنسي في المحيط الهندي يمنح باريس ثقلًا استراتيجيًا خاصًا.
خلاصة القول أن أوروبا ليست غائبة عن جنوب آسيا، لكنها ليست في صدارة المواجهة أيضًا.
هي لاعب اقتصادي ضخم، وشريك أمني متنامٍ للهند، وممول تنموي لبنغلاديش، وشريك تجاري أساسي لباكستان.
دورها مرتبط بالولايات المتحدة من حيث التوجه العام، لكنه لا يصل إلى حد الاصطفاف الكامل.
وفي الوقت نفسه، لا تسعى لمواجهة صريحة مع الصين، بل إلى إعادة توازن النفوذ عبر أدوات اقتصادية وتنموية.
جنوب آسيا اليوم ساحة تنافس متعدد الأقطاب، وأوروبا تحاول أن تثبت أنها ليست مجرد تابع في صراع أمريكي-صيني، بل قوة عالمية تسعى إلى حماية مصالحها الخاصة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية واستراتيجية.