أوروبا تطلق مصانع ذكاء اصطناعي لإنهاء الهيمنة الأمريكية والصينية

ماذا وراء خطة بناء مصانع الذكاء الاصطناعي السبعة؟

الرائد/ في خطوة هي الأضخم لإنهاء الهيمنة التكنولوجية الأمريكية والصينية، أطلق الاتحاد الأوروبي رسمياً معركة استعادة ‘السيادة الرقمية’ عبر تدشين مناقصة لبناء 7 مصانع عملاقة للذكاء الاصطناعي (AI Gigafactories) بتمويل مشترك ضخم يطمح لحشد 30 مليار يورو. هذا التحرك الاستراتيجي لا يستهدف مجرد بناء مراكز حوسبة سحابية تقليدية، بل يسعى لإنشاء جيل جديد من البنية التحتية فائقة القدرة لتدريب النماذج الذكية الكبرى محلياً ووفق القوانين الأوروبية الصارمة. فهل تنجح القارة العجوز من خلال هذه القفزة المليارية في تغيير خارطة النفوذ التكنولوجي العالمي واللحاق بقطار وادي السيليكون وبكين؟”
تشمل الخطة إنشاء مراكز تجمع بين معالجات الذكاء الاصطناعي، والبرمجيات، والحوسبة السحابية، والاتصالات فائقة السرعة، ومراكز البيانات، على أن تستفيد من استثمارات خاصة إضافية قد تصل إلى 20 مليار يورو. كما أعلنت شركات تقنية كبرى مثل إنفيديا وإيه إم دي وكوالكوم استعدادها للمشاركة في تزويد هذه المشاريع بالمكونات التقنية اللازمة.
الذكاء الاصطناعي إلى مجال تنافس استراتيجي
ويأتي القرار الأوروبي في ظل تحول الذكاء الاصطناعي إلى مجال تنافس استراتيجي بين القوى الكبرى، بعد أن أصبح مرتبطاً مباشرة بالصناعة والدفاع والطب والطاقة والاقتصاد الرقمي. فالدول التي تمتلك القدرة على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها على بنية تحتية محلية ستملك نفوذاً أكبر في الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
وتحاول أوروبا معالجة مشكلة ظهرت خلال السنوات الماضية، وهي اعتمادها الكبير على شركات أمريكية وآسيوية في الرقائق المتقدمة والحوسبة السحابية والخدمات الرقمية. ورغم امتلاكها جامعات ومراكز أبحاث قوية، فإنها تأخرت في تحويل البحث العلمي إلى شركات تقنية عملاقة قادرة على منافسة وادي السيليكون وشركات الصين.
وترتبط الخطة الجديدة أيضاً بمشروع أوسع داخل الاتحاد الأوروبي لتطوير صناعة أشباه الموصلات، بعد أن كشفت أزمات سلاسل الإمداد العالمية خلال جائحة كورونا والحروب التجارية أن الاعتماد على الخارج في التقنيات الحساسة يمثل نقطة ضعف اقتصادية وسياسية.
الاستثمارات المتعددة
ومن المتوقع أن تؤدي هذه الاستثمارات إلى نتائج متعددة خلال السنوات المقبلة. فمن ناحية قد تساعد على جذب شركات التكنولوجيا العالمية، وخلق وظائف عالية المهارة، وتسريع استخدام الذكاء الاصطناعي في المصانع والمختبرات والقطاع الصحي. ومن ناحية أخرى فإن نجاحها سيعتمد على قدرة الدول الأوروبية على توفير الطاقة اللازمة لمراكز البيانات، وتطوير الكفاءات البشرية، وتخفيف القيود التنظيمية التي قد تبطئ الابتكار.
كما ستواجه أوروبا تحدياً يتعلق بتوزيع هذه الاستثمارات بين الدول الأعضاء؛ إذ تخشى بعض الدول الأقل تقدماً أن تتركز المكاسب في الدول الكبرى التي تمتلك بالفعل بنية تحتية رقمية متقدمة مثل ألمانيا وفرنسا وهولندا.
يذكر أن أوروبا نجحت في قطاعات صناعية مثل السيارات والطيران والهندسة الدقيقة، لكنها لم تحقق النجاح نفسه في منصات الإنترنت والذكاء الاصطناعي مقارنة بالولايات المتحدة والصين. ولذلك تمثل مصانع الذكاء الاصطناعي محاولة للانتقال من دور المستهلك للتكنولوجيا إلى دور المنتج والمنافس.
وإذا نجحت الخطة، فقد تصبح أوروبا خلال العقد المقبل أحد المراكز العالمية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصناعية والعلمية، أما إذا بقيت المشاريع مرتبطة بالتمويل الحكومي فقط دون نمو شركات محلية قوية، فقد تتحول إلى مجرد سوق كبيرة للتقنيات المنتجة خارج القارة.
خطوة طموحة وجريئة
خلاصة القول، يمثل مشروع المصانع السبعة خطوة طموحة وجريئة في الاتجاه الصحيح، لكن الطريق نحو الاستقلال الرقمي الأوروبي لا يزال محفوفاً بالعقبات. فبين معضلات توفير الطاقة الهائلة التي تحتاجها هذه المنشآت، والتنافس الداخلي بين العواصم الأوروبية على حصص التمويل، يبقى الرهان الحقيقي في قدرة بروكسل على الموازنة بين قوانينها الصارمة لحماية البيانات وبين فتح آفاق الإبداع للشركات الناشئة . لقد وضعت أوروبا حجر الأساس لمعركتها التكنولوجية الأهم، والأعوام القليلة القادمة ستكشف ما إذا كانت هذه المصانع ستصنع ربيعاً رقمياً أوروبياً، أم ستظل مجرد محاولة متأخرة للحاق بقطار سبقه الكثير
المصدر:
•وكالة رويترز، إعلان الاتحاد الأوروبي خطة إنشاء سبعة مصانع ذكاء اصطناعي عملاقة بقيمة 10 مليارات يورو.

اترك تعليقا