أهل السنة والارتباط بالسُّلطات

د عمرو عبد العزيز

منذ العصر الأموي، أدرك علماء أهل السنة عامة في قلب العالم الإسلامي مغبة الارتباط بالسُّلطات القائمة، فإن لم يخرجوا عليها، كانوا منها في نفور واستعلاء، وصارت قربة الحاكم وصمة العالم، والآثار في ذلك تملأ المجلدات عن هذه الخصومة والاحتقار المكين في نفوسهم، لا للحكام مهما أحسنوا، بل لمن يداخلهم ويجالسهم، وحتى قرب الغزالي من السلاجقة، لم يمنعه أن يجعل فصل العلم في الإحياء مزدحما بألف قصة سوء عن علماء القرب من السلطة مطلقا، الذين أوسعهم سبا وتحقيرا ونقلا لمرويات أئمة الفقه والدين في تحقيرهم وإنذارهم. نعم، خفت هذه الشدة لاحقا مع تقادم المظالم، وشيوع العلماء الفسدة الطماعين، لكن بقي جوهر العداء والاستعلاء راسخا لا يزول، ومازال كل عالم يتبع السلطان متهما في ديانته إلى أن يثبت العكس، ويوشك ألا ينجو أحد، خاصة مع الرقابة، وفشو العدوان والبغي، وانتشار تبديل الدين! وقد طُعِن حتى في علم عظيم كبير كابن حجر رحمه الله، وهو من هو، لحرصه على تولي القضاء، في دولة مملوكية تجاهد باستمرار لإعلاء دين الله، فما بالكم بمن هو أدنى في دول تجاهد باستمرار دين الله!
أولئك الذين يفرحون بمكانة الأزهر في مصر المعاصرة، ويقاتلون لجعله منارة أشعرية صوفية محضة، مع ربط العمة الأزهرية بالكرسي =هم قوم أغبياء، ينظرون تحت أقدامهم، ولا يفقهون تاريخ الأمم والمذاهب، ولا يعلمون علة تطليق الوسط العلمي الشرعي نفسه من الحكام مبكرا، وكيف أن مقتلة أي مذهب تكون غالبا في ارتباطه بكرسي ثقيل الوطأة على الناس، فيستقر في وعي الأمة أن تلك العمة أخت ذلك السيف، وذلك المذهب ربيب تبديل الدين وفتاوى السوء والإفساد!
إن الأشعرية الصوفية عالية حاليا، وقد تستمر في العلو نصف قرن آخر، لكن مثلها مثل المدخلية الوهابية في السعودية، ربط نفسها بالحكام هو وبال مستقبلي لا محالة، بصرف النظر عن صحة المذهب من خطئه. وفي سوريا مثال حي، حينما ربطت النخب الأشعرية نفسها بالسلطة، فكان بداخل الثورة جانب خفي غير منكور، فيه اختار عموم المقاومين السلفية مذهبا، لا لجمالها أو لفهمهم الصفات والخلافات، إنما كفعل مقاوم، وكم من شخص أطلق لحيته في مطلع الثورة السورية، متأففا من العمامة الرسمية للمشايخ، وكان يُسأل عن ذلك فيقول: كانت اللحية جريمة في عصر الأسد! لقد ترجم العمة كموالاة واللحية السلفية الكثة كمقاومة!
وكل ذلك صلبه مأسسة الدين، تلك البدعة الرافضية الفاطمية المستعيدة لسياسات الفراعنة والأكاسرة والروم، وما في ذلك من طوام تفوق المزايا المغرية، لكن هذا نقاش آخر!