أسواق النفط تترقب الدوحة
وسط مخاوف فائض المعروض العالمي
- السيد التيجاني
- 30 يونيو، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- أسواق النفط, فائض المعروض العالمي, مضيق هرمز
تتجه أسواق النفط إلى تسجيل أكبر خسائر ربع سنوية منذ ذروة جائحة كورونا عام 2020، في تحول يعكس تغيراً كبيراً في نظرة المستثمرين إلى المخاطر الجيوسياسية، بعدما كانت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران قد دفعت الأسعار إلى مستويات مرتفعة خلال الأشهر الماضية.
فبعد أسابيع من التقلبات الحادة، بدأت الأسواق تتعامل مع الهدنة المؤقتة بين واشنطن وطهران باعتبارها عاملاً يقلص احتمالات تعطل الإمدادات، وهو ما أدى إلى تراجع علاوة المخاطر التي كانت مضافة إلى الأسعار. ومع ذلك، فإن حالة الهدوء الحالية لا تعني انتهاء المخاطر، إذ يرى محللون أن السوق ما زالت شديدة الحساسية لأي تطور سياسي أو عسكري في منطقة الخليج.
أولاً: لماذا هبطت أسعار النفط بهذه القوة؟
شهد الربع الأول من العام ارتفاعاً استثنائياً في أسعار النفط نتيجة المخاوف من اندلاع مواجهة واسعة قد تؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل صادرات الخليج. لكن مع إعلان وقف إطلاق النار المؤقت وبدء الحديث عن محادثات سياسية في الدوحة، بدأ المستثمرون في إعادة تقييم تلك المخاطر.
كما ساهمت عودة حركة ناقلات النفط بصورة طبيعية تدريجياً إلى تقليص المخاوف بشأن الإمدادات، وهو ما انعكس سريعاً على الأسعار.
جيوفاني ستاونوف: علاوة المخاطر لم تختف لكنها تراجعت
قال جيوفاني ستاونوف، محلل أسواق السلع في بنك UBS، إن السوق لم تلغِ بالكامل علاوة المخاطر الجيوسياسية، لكنها بدأت في تقليصها بشكل واضح مع عودة الناقلات للعمل بصورة طبيعية.
وأوضح أن السفن التي كانت متوقفة بسبب المخاوف الأمنية أصبحت متاحة مجدداً، كما زاد عدد ناقلات النفط المغادرة من الخليج، وهو ما أوجد معروضاً إضافياً مؤقتاً ساهم في الضغط على الأسعار.
ويرى ستاونوف أن الأسواق أصبحت أقل حساسية للأحداث العسكرية المحدودة مقارنة بما كانت عليه في بداية الأزمة، لكنها ستعود سريعاً إلى الارتفاع إذا تعرضت البنية التحتية النفطية أو الملاحة البحرية لأي تهديد جديد.
مورجان ستانلي: فائض كبير يلوح في الأفق
من أبرز التطورات التي أثارت اهتمام المستثمرين توقعات بنك مورجان ستانلي، الذي رفع تقديراته لفائض سوق النفط العالمية خلال عام 2027 إلى نحو 4.8 ملايين برميل يومياً.
ويعني هذا التقدير أن الإنتاج العالمي قد يتجاوز الطلب بفارق كبير إذا استمرت مستويات الإنتاج الحالية، وهو ما قد يؤدي إلى ضغوط طويلة الأمد على الأسعار.
ويستند البنك في توقعاته إلى عدة عوامل، أبرزها:
استمرار نمو الإنتاج خارج أوبك.
زيادة إنتاج النفط الصخري الأمريكي.
عودة بعض الإمدادات التي تعطلت سابقاً.
تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي.
تراجع الطلب في بعض الاقتصادات الصناعية.
الدوحة في قلب المشهد
رغم تراجع الأسعار، ما تزال الأنظار تتجه إلى الدوحة، حيث تستضيف قطر محادثات فنية بين الولايات المتحدة وإيران ضمن جهود تثبيت وقف إطلاق النار.
ورغم نفي الدوحة عقد اجتماع سياسي رفيع المستوى، فإن مجرد استمرار الاتصالات بين الجانبين يمنح الأسواق قدراً من الاطمئنان.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه المحادثات قد يؤدي إلى مزيد من الانخفاض في أسعار النفط إذا عزز فرص التوصل إلى اتفاق دائم.
أما فشلها فقد يعيد المخاوف سريعاً إلى الأسواق.
هرمز… نقطة الارتكاز
يبقى مضيق هرمز أهم عامل مؤثر في سوق الطاقة العالمية.
ويمر عبر المضيق نحو خمس تجارة النفط العالمية، ولذلك فإن أي تهديد للملاحة فيه ينعكس مباشرة على الأسعار.
ومع استئناف حركة السفن تدريجياً، تراجعت المخاوف من تعطل الصادرات، إلا أن المستثمرين ما زالوا يراقبون الوضع الأمني عن كثب.
ويرى خبراء أن مجرد وقوع حادث محدود في المضيق قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع بعشرات الدولارات خلال أيام قليلة.
التحليل الفني للأسعار
من الناحية الفنية، دخل كل من خام برنت وخام غرب تكساس منطقة “ذروة البيع” لفترة طويلة نسبياً، وهو ما يراه بعض المحللين إشارة إلى احتمال حدوث ارتداد صعودي قصير الأجل.
لكن استمرار الاتجاه الهابط سيظل مرهوناً بعدة عوامل، أبرزها:
نتائج المحادثات الأمريكية الإيرانية.
قرارات تحالف أوبك+.
بيانات الاقتصاد الأمريكي.
معدلات الطلب في الصين.
مستويات المخزون التجاري العالمي.
تأثيرات انخفاض الأسعار
على الدول المصدرة
يشكل تراجع الأسعار ضغطاً مباشراً على إيرادات الدول المعتمدة على النفط، خاصة إذا استمرت الأسعار دون 75 دولاراً لفترة طويلة.
وقد تضطر بعض الحكومات إلى مراجعة موازناتها أو تقليص الإنفاق إذا استمر هذا الاتجاه.
على الدول المستوردة
في المقابل، تستفيد الاقتصادات المستوردة للطاقة من انخفاض الأسعار عبر:
تقليل فاتورة الاستيراد.
خفض تكاليف النقل.
تقليص معدلات التضخم.
دعم النمو الاقتصادي.
ماذا عن أوبك+؟
يتوقع محللون أن يراقب تحالف أوبك+ تطورات السوق قبل اتخاذ أي قرارات جديدة.
فإذا استمر الهبوط، قد يعود الحديث عن خفض إضافي للإنتاج لدعم الأسعار.
أما إذا تحسن الطلب العالمي خلال النصف الثاني من العام، فقد يكتفي التحالف بالإجراءات الحالية.
أبرز المخاوف
رغم هبوط الأسعار، لا تزال الأسواق تواجه مجموعة من المخاطر، منها:
انهيار وقف إطلاق النار.
تعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران.
إغلاق أو اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
تباطؤ الاقتصاد الصيني.
استمرار قوة الدولار الأمريكي.
زيادة الإنتاج العالمي بوتيرة أسرع من نمو الطلب.
السيناريوهات المتوقعة
السيناريو الأول (الأكثر ترجيحاً): استمرار الهدنة، ونجاح المحادثات الفنية، مع بقاء الأسعار بين 70 و75 دولاراً لخام برنت.
السيناريو الثاني: تعثر المفاوضات وعودة التوتر العسكري، بما يعيد علاوة المخاطر ويرفع الأسعار سريعاً فوق 80 دولاراً للبرميل.
السيناريو الثالث: استمرار ضعف الطلب العالمي بالتزامن مع زيادة الإنتاج، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى ما دون 70 دولاراً لفترة ممتدة.
تكشف الخسائر الفصلية الكبيرة في أسعار النفط عن انتقال السوق من مرحلة التسعير على أساس المخاطر العسكرية إلى مرحلة التركيز على أساسيات العرض والطلب.
ويرى خبراء، من بينهم جيوفاني ستاونوف من UBS ومحللو مورجان ستانلي، أن مستقبل الأسعار سيعتمد على مسارين متوازيين: الأول هو نجاح الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران، والثاني هو قدرة السوق على استيعاب الزيادة المتوقعة في الإمدادات العالمية. وبين هذين المسارين، يبقى النفط عرضة لتقلبات حادة،
حيث يمكن لأي تطور سياسي أو أمني في الخليج أن يبدل اتجاه السوق خلال ساعات، بينما قد يؤدي استمرار فائض المعروض وتباطؤ الطلب إلى إطالة أمد الضغوط على الأسعار خلال السنوات المقبلة.
