أسطول الصمود العالمي.. الإنسانية ما زالت حيّة..!

محمد نعمان الدين الندوي يكتب

سلامٌ على ركّاب أسطول الصمود العالمي الذين خرجوا – معرّضين أنفسهم للخطر المحقّق الأكيد – في أشرف وأ nobل مهمةٍ إنسانيةٍ ما عرفت البشريةُ مثلها – فيما أظن – منذ أن خلق الله الأرض.

إن هؤلاء الركّاب – الذين ينتمون إلى جنسياتٍ ودياناتٍ مختلفة – أرّق نومَهم، وأقضّ مضاجعَهم، وجعلهم على أحرّ من الجمر ما يسمعون ويشاهدون بأمّ أعينهم – عبر وسائل التواصل الاجتماعي – ما يعانيه أهلُ غزّة من التجويع المتعمّد المسلَّط عليهم من دولة الكيان اللعين غير الشرعي.

فلا يقرّ لهم قرار، ولا يهدأ لهم بال، ولا يهنأ لهم طعام، ولا يسوغ لهم شراب، ولا يطيب لهم منام.

إنّ ظروفَ غزّة التي لا تُتصوَّر شناعتُها وبشاعتُها، حرّكت إنسانيّتَهم، وجعلتْ ضمائرَهم تلومهم. فما كان منهم إلا أن أعلنوا تضامنهم مع أهل غزّة، الذين لم تعرف البشريّة طائفةً صُبَّ عليها من الظلم ما صُبَّ عليهم، فخرجوا بالمساعدات الإنسانيّة – من الغذاء والدواء والكساء – عبر أسطول الصمود العالمي، الذي يضمّ اثنتين وأربعين سفينةً يركبها خمسمئة شخصٍ ينتمون إلى أربعٍ وأربعين دولةً، متّجهين إلى غزّة العزّة والصمود والكرامة.

إنّ هذا الأسطول لم يخضع للتهديدات ولا للضغوط، بل واصل سيرَه على أمواج البحر نحو غزّة. ولحدّ كتابة هذه السطور، أفادت الأنباء أنّ إحدى وأربعين سفينةً من بين اثنتين وأربعين قد أُوقفت، واعتُقِل جميع ركّابها.

وما فعلته إسرائيل من الخبث والظلم والعدوان لم يكن مفاجئًا ولا غير متوقَّع؛ فكيف يُمكن أن يسمح هذا الكيانُ اللعين بدخول المساعدات الإنسانيّة إلى غزّة، وهو الذي بينه وبين الإنسانيّة ما بين السماء والأرض؟!

ورغم ذلك، فإنّ ما جرى لا يُعدّ فشلًا لمهمة الأسطول، بل هو انتصارٌ للإنسانية والكرامة على اللؤم والبربرية.

فسلامٌ على ركّاب الأسطول الشرفاء النبلاء، الذين تخفق قلوبهم بالحبّ والرحمة لإخوانهم في الإنسانيّة، فردّوا إلى الإنسانية اعتبارَها وشرفَها، وأنقذوها من الانهيار.

إنهم أثبتوا بصنيعهم أن الإنسانية ما زالت حيّة، وأنها لم تمت بعد، وأنّها فوق كلّ شيءٍ واعتبارٍ وقيمة.

فالذين قادوا هذا الأسطول باسم الإنسانيّة، ليسوا على دين أهل غزّة، ولكنهم لم ينظروا إلى الديانة، بل إلى الإنسانيّة نفسها؛ فهي التي حرّكت ضمائرَهم، ونغّصت عيشَهم، ودَفعتهم إلى المخاطرة بأرواحهم.

والحقيقة أنّ هذا الذي صنعه أهلُ أوروبا كان الأجدرَ به العربُ والمسلمون، الذين تربطهم بأهل غزّة روابطُ الدين والقُربى واللحم والدم والجوار.

فيا ليت الدولَ العربيةَ والإسلاميّةَ قامت بما قام به أهلُ الدول الأجنبيّة من المساعي النبيلة في إيصال المساعدات الإنسانيّة إلى أهل غزّة.

والحقيقة أنّ هذه المبادرة الإنسانيّة الفريدة الفذّة المباركة تدلّ على وحدة البشريّة، وأنّ جميع الناس من أصلٍ واحدٍ، من أبٍ واحدٍ وأمٍّ واحدة.

فلولا هذه الوحدة البشريّة، لما تحرّك أهلُ الديانات والأمم الأخرى لمسح دموع إخواننا في غزّة.

فهنيئًا لكم – أيها المؤمنون بالإنسانيّة – هذه المبادرةَ الإنسانيّةَ الأوروبية؛ لتقرّ أعينُكم، وتسترح ضمائرُكم، وتفرح قلوبُكم بهذه المكرمة التي قام بها إخوانُنا في الإنسانيّة لإخوانِنا في الدين والعقيدة من أهل غزّة الكرام.

عاشت الإنسانيّة، وليذهب أعداؤها إلى جهنم!

# محمد نعمان الدين الندوي

المصدر: جريدة الأمة الإليكترونية