أزمة تمويل الأمم المتحدة تتصاعد

سياسات ترامب تضغط على المنظمة وتهدد استقلالها ودورها العالمي

تواجه الأمم المتحدة في مطلع عام 2026 واحدة من أعقد أزماتها المالية والسياسية، مع تصاعد الضغوط الأمريكية المرتبطة بحجب التمويل والانسحاب من مؤسسات أممية، ما يثير تساؤلات جدية حول استقلالية المنظمة وقدرتها على أداء دورها كمنصة دولية للحوار.

وحذر الأمين العام أنطونيو غوتيريش من تفاقم الأزمة، مشيرًا إلى احتمال نفاد السيولة بحلول منتصف العام، وهو ما يهدد تنفيذ البرامج الحيوية حول العالم.

التمويل الأمريكي.. أداة نفوذ حاسمة

تمثل الولايات المتحدة الداعم الأكبر لميزانية الأمم المتحدة، حيث تغطي نحو 22% من الميزانية العادية و28% من ميزانية عمليات حفظ السلام.

إلا أن إدارة دونالد ترامب لم تسدد مستحقات عام 2025 البالغة 826 مليون دولار، إلى جانب متأخرات تصل إلى 660 مليون دولار، ما عمّق الأزمة المالية داخل المنظمة.

وفي محاولة للتكيف، خفّضت الأمم المتحدة ميزانيتها التشغيلية لعام 2026 بنسبة 7% لتصل إلى 3.45 مليار دولار، مع إلغاء نحو 2900 وظيفة، في خطوة تعكس حجم الضغوط المالية المتزايدة.

ورغم إعلان واشنطن تقديم مساعدات إنسانية بقيمة ملياري دولار، يرى مراقبون أن هذا التمويل المشروط قد يُستخدم كأداة لتوجيه السياسات الأممية، بما يهدد استقلال القرار الدولي.

تحول في النهج الأمريكي

أكد السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز أن بلاده ستواصل الضغط لإجراء إصلاحات هيكلية، مطالبًا الوكالات الأممية بتحقيق نفس النتائج بموارد أقل.

ويعكس هذا التوجه تحولًا من دعم متعدد الأطراف إلى نهج أقرب إلى “الإدارة بالصفقات”، حيث يتم تقييم المؤسسات الدولية وفق معيار الكلفة والعائد.

خطاب ترامب.. تقويض المصداقية

لم تقتصر الضغوط على الجانب المالي، إذ صعّد ترامب من انتقاداته للأمم المتحدة، متهمًا إياها بإهدار أموال دافعي الضرائب، والدعوة إلى تقليص بيروقراطيتها.

وفي يناير 2026، وقع قرارًا يقضي بانسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة وهيئة أممية، من بينها مؤسسات معنية بالمناخ وحقوق الإنسان والتنمية.

ويرى محللون أن هذه الخطوة تمثل تحولًا جذريًا في السياسة الأمريكية تجاه النظام الدولي متعدد الأطراف.

يشير المحلل عاصم وزيري إلى أن “الترامبية” تقوم على براغماتية مصلحية، حيث تتحول السياسة الخارجية إلى أداة لتحقيق مكاسب مباشرة، بدلًا من تعزيز التعاون الدولي.

ويعكس هذا النهج انتقالًا من “هيمنة تعاونية” إلى “هيمنة تنافسية” تقوم على منطق المكسب والخسارة.

انسحابات مقلقة وتأثير عالمي

يثير الانسحاب الأمريكي مخاوف من تقليد دول أخرى لهذا المسار، ما قد يؤدي إلى إضعاف النظام الدولي.

وتؤكد الباحثة عائشة البصري أن تراجع الدور الأمريكي يقوض النظام متعدد الأطراف، ويطرح تساؤلات حول مستقبل الأمم المتحدة.

كما حذرت المنظمة من أن تقليص التمويل سيؤدي إلى تقليص برامج المساعدات الإنسانية بشكل غير مسبوق.

يعيد ربط التمويل بالإصلاحات السياسية طرح تساؤلات حول حياد الأمم المتحدة، خاصة مع اعتمادها الكبير على التمويل الأمريكي.

ويشير خبراء إلى أن هذا الوضع قد يفتح الباب أمام “الابتزاز السياسي”، خصوصًا في الملفات الحساسة مثل النزاعات وحقوق الإنسان.

نظام عالمي قيد التحول

في ظل هذا المشهد، تبرز الصين كلاعب رئيسي يسعى لتعزيز نفوذه داخل المنظمة، في وقت تتراجع فيه الولايات المتحدة.

ويرى مراقبون أن هذا التحول قد يؤدي إلى إعادة تشكيل النظام العالمي، دون ضمان تحقيق توازن أو عدالة أكبر.

تعكس إجراءات التقشف داخل الأمم المتحدة—مثل تقليص النفقات التشغيلية—عمق الأزمة، وسط تحذيرات من تراجع مصداقية المنظمة.

ويؤكد خبراء أن المرحلة الحالية تكشف محدودية القانون الدولي في مواجهة التعقيدات الجيوسياسية.

تمثل أزمة 2026 اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأمم المتحدة على الصمود. وبينما تسعى واشنطن لإعادة تعريف علاقتها بالمنظمة، يبقى مستقبل النظام الدولي مرهونًا بقدرة الأمم المتحدة على تحقيق استقلال مالي يضمن حيادها واستمراريتها.