أحادية أميركية جديدة؟ ماذا تعني سياسات ترمب لمستقبل العالم
من كندا إلى تايوان.. خريطة النفوذ الأميركي في استراتيجية ترمب
- محمود الشاذلي
- 9 فبراير، 2026
- تقارير
- الإنتروبيا, الولايات المتحدة, سياسات ترمب لمستقبل العالم
لطالما شكّل صعود وسقوط الإمبراطوريات محورًا مركزيًا في الفكر السياسي والاستراتيجي. فالقوى العظمى لا تنهار فجأة، ولا تزدهر إلى الأبد، بل تخضع لمسارات تاريخية تحكمها معادلات معقّدة، تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والجغرافيا والزمن. وفي هذا السياق، يبرز سؤال محوري مع عودة دونالد ترمب إلى صدارة المشهد السياسي الأميركي: هل تعيش الولايات المتحدة مرحلة إعادة إنتاج للأحادية القطبية، أم أنها بصدد إدارة انكفاء محسوب يهدف إلى إطالة عمر الهيمنة؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى مفاهيم نظرية أساسية، في مقدمتها ما طرحه المؤرخ البريطاني بول كيندي حول “الامتداد الأقصى” للإمبراطوريات، وتأثير الزمن – أو ما يُعرف علميًا بـ”الإنتروبيا” – على تآكل القوة.
الامتداد الأقصى والإنتروبيا
يرى بول كيندي أن الإمبراطوريات تسقط عندما تتجاوز قدرتها على الموازنة بين الأهداف الاستراتيجية والوسائل المتاحة. فعندما تتسع رقعة النفوذ إلى درجة يصبح فيها الحفاظ عليها أكثر كلفة من الفوائد المرجوة، تبدأ ملامح التراجع بالظهور.
وهنا يظهر مفهوم “الامتداد الأقصى” (Overstretching)، وهو الحالة التي تصبح فيها الدولة العظمى غير قادرة على تمويل، أو حماية، أو إدارة التزاماتها الخارجية دون استنزاف داخلي. هذا الاستنزاف لا يكون عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا، اجتماعيًا، وحتى نفسيًا، وهو ما يقودنا إلى مفهوم الإنتروبيا.
الإنتروبيا، باعتبارها قانونًا فيزيائيًا، تعني ميل الأنظمة إلى الفوضى مع مرور الوقت. وعند إسقاط هذا المفهوم على الجيوبوليتيك، فإن كل قوة عظمى تتعرض – بحكم الزمن – إلى تآكل تدريجي في قدراتها، سواء عبر الحروب الطويلة، أو سباقات التسلح، أو الأزمات الاقتصادية، أو فقدان الشرعية الأخلاقية.
مفارقة أفلاطون وتأثير القرار العابر
تأمل الفيلسوف الإغريقي أفلاطون في طبيعة الزمن، فقسّمه إلى ماضٍ انتهى، ومستقبل لم يأتِ بعد، وحاضر هو مجرد لحظة عابرة لا يمكن الإمساك بها. هذه المفارقة تطرح سؤالًا عميقًا في السياسة الدولية: كيف يمكن لقرار يُتخذ في “لحظة عابرة” أن يؤثر في نظام عالمي يمتد لعقود؟
الجواب يكمن في أن القرارات الكبرى للدول العظمى، رغم لحظيتها، تُطلق سلاسل من التفاعلات طويلة الأمد. فقرار حرب، أو انسحاب، أو فرض عقوبات، قد يبدو آنياً، لكنه يعيد تشكيل التوازنات الدولية، ويؤثر في سلوك الخصوم والحلفاء على حد سواء.
الاستنزاف العسكري والسياسي
تظهر الإنتروبيا بوضوح في الحروب طويلة الأمد. فالقوى العظمى، مهما بلغت قوتها، تعاني من الإرهاق العسكري، وتواجه صعوبات في تعويض الذخائر، وصيانة المعدات، والحفاظ على الروح المعنوية للقوات.
ومن هنا، تلجأ الدول عادة إلى الحلول السياسية عندما تصل إلى نقطة يصبح فيها الاستمرار في القتال غير مجدٍ. هذا ما شهدناه في تجارب تاريخية متعددة، من فيتنام إلى أفغانستان، وهو ما يفسر جزئيًا التحول الأميركي نحو تقليل الانخراط العسكري المباشر، مقابل الاعتماد على العقوبات، والتحالفات، والحروب بالوكالة.
الحذر من الإسقاط المباشر
رغم أهمية دراسة التاريخ، فإن إسقاط تجربة صعود أو سقوط إمبراطورية بعينها على واقع مختلف يحمل مخاطر كبيرة. فلكل مرحلة سياقها الخاص، ولكل قوة عظمى أدواتها وظروفها.
إلا أن المفكرين يلجؤون إلى التاريخ لاستخلاص الأنماط المتكررة. وفي هذا الإطار، يقدّم المفكر الأميركي ويس ميتشيل في كتابه “دبلوماسية القوى الكبرى” مفهومًا بالغ الأهمية: استراتيجية التدعيم والتمتين (Consolidation).
تحصين الداخل بدل التوسع الخارجي
بحسب ميتشيل، عندما تصل القوة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وتدرك أن مواردها لم تعد تسمح بمزيد من التوسع، فإنها تميل إلى تعزيز ما تملكه بالفعل، بدل السعي وراء أهداف جديدة.
وتعني هذه الاستراتيجية عمليًا:
-
تحصين الداخل سياسيًا واقتصاديًا.
-
تقليل الالتزامات الخارجية غير الضرورية.
-
إعادة ترتيب الأولويات الجيوسياسية.
-
التركيز على مناطق النفوذ الحيوية.
ترمب واستراتيجية التدعيم
عند تحليل استراتيجية الأمن القومي الأميركية الأخيرة، يمكن ملاحظة تقاطعات واضحة مع مفهوم “التدعيم”، خاصة في ظل رئاسة دونالد ترمب.
تحصين الداخل الأميركي
يركز ترمب على:
-
تشديد سياسات الهجرة وترحيل المهاجرين غير الشرعيين.
-
مكافحة كارتيلات المخدرات.
-
ضبط الحدود البرية والبحرية.
-
إعادة توطين الصناعة داخل الولايات المتحدة.
هذه السياسات تعكس رؤية تعتبر أن الأمن القومي يبدأ من الداخل، وأن التفكك الاجتماعي والاقتصادي يشكل تهديدًا لا يقل خطورة عن الخصوم الخارجيين.
رسم مجال نفوذ قريب
يسعى ترمب إلى إعادة تعريف المجال الحيوي الأميركي في نصف الكرة الغربي، عبر:
-
التلويح بضم كندا أو تحويلها إلى “الولاية الـ51”.
-
استعادة النفوذ الكامل على قناة بنما.
-
السعي للسيطرة على غرينلاند، لما تمثله من أهمية استراتيجية وموارد طبيعية.
-
الضغط على فنزويلا، ومحاولة إعادة تشكيل نظامها السياسي والاقتصادي، خاصة قطاع النفط.
هذه التحركات تهدف إلى:
-
حرمان الصين من مصادر طاقة أساسية.
-
تقليص نفوذ روسيا في أميركا اللاتينية.
-
تأمين الموارد الاستراتيجية القريبة جغرافيًا.
معركة المعادن والطاقة
يدرك ترمب أن القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد عسكرية فقط، بل تكنولوجية واقتصادية. ولذلك يركز على:
-
المعادن النادرة.
-
الطاقة.
-
سلاسل التوريد.
-
الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
تحرير الولايات المتحدة من الاعتماد على الصين في هذه المجالات يُعد هدفًا استراتيجيًا محوريًا، يندرج ضمن منطق “التدعيم” وليس التوسع.
ميزة أميركا الاستراتيجية
يشير ويس ميتشيل إلى أن الولايات المتحدة تتمتع بميزة جغرافية فريدة، كونها محاطة بمحيطين يشكلان حاجزًا طبيعيًا، بعكس الصين وروسيا المحاطتين ببيئات أمنية معقدة.
هذه “القدرية الجغرافية” تمنح واشنطن هامشًا أوسع للمناورة، وتسمح لها بإعادة ترتيب أولوياتها دون خوف مباشر على أمنها القومي.
تايوان: لماذا لا تزال أولوية؟
رغم التركيز على نصف الكرة الغربي، لا يمكن تجاهل استمرار الدعم الأميركي لتايوان. فذكر الجزيرة في استراتيجية الأمن القومي، وبيع أسلحة متطورة لها بمليارات الدولارات، يؤكد أن واشنطن لا تنسحب من آسيا، بل تعيد تموضعها.
تايوان تمثل:
-
حلقة أساسية في “سلسلة الجزر الأولى”.
-
مركزًا عالميًا لصناعة أشباه الموصلات.
-
نقطة تماس مباشرة مع الطموحات الصينية.
أحادية-2 أم إدارة تراجع؟
في ضوء السلوك “الزئبقي” للرئيس ترمب، يصعب الجزم بما إذا كانت الولايات المتحدة تدخل مرحلة “أحادية قطبية جديدة”، أم أنها تمارس إدارة ذكية للتراجع.
قد يكون ترمب، إلى جانب استراتيجية التدعيم، يتبع أيضًا استراتيجية المركز والأطراف:
-
تحصين المركز الأميركي.
-
التدخل عند الضرورة في الأطراف.
-
الحفاظ على القدرة على التأثير دون تحمل كلفة الهيمنة الشاملة.