هل يتوسع الصراع بين روسيا والناتو؟

خيارات أكثر خطورة مع مرور الوقت

بعد أكثر من أربع سنوات على اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، تبدو جبهات القتال أقرب إلى حرب استنزاف طويلة منها إلى معركة حاسمة. فبينما تواصل القوات الروسية تحقيق مكاسب ميدانية محدودة، تستمر أوكرانيا في الاعتماد على الدعم العسكري والاقتصادي الغربي للحفاظ على قدرتها القتالية، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول الخطوة التالية التي قد يقدم عليها الكرملين إذا استمرت الحرب دون حسم.

ويحذر عدد من الخبراء من أن استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية قد يدفع موسكو إلى دراسة خيارات تصعيد جديدة، من بينها توسيع نطاق المواجهة خارج الأراضي الأوكرانية، في محاولة لإعادة رسم معادلة الصراع واختبار تماسك التحالف الغربي.

حرب استنزاف بلا حسم

يرى الباحث البريطاني المتخصص في الشأن الروسي مارك جاليوتي أن الحرب دخلت مرحلة أصبح فيها الطرفان يواجهان صعوبة في تحقيق اختراق استراتيجي كبير، موضحًا أن روسيا تحقق تقدمًا بطيئًا لكنه مكلف، بينما تعتمد أوكرانيا بصورة متزايدة على استمرار تدفق الأسلحة الغربية.

ويؤكد جاليوتي أن هذا الواقع يفرض ضغوطًا متزايدة على القيادة الروسية للبحث عن وسائل جديدة لتغيير مسار الحرب.

ما هو التصعيد الأفقي؟

يتحدث عدد من المحللين العسكريين عن احتمال لجوء موسكو إلى ما يُعرف بـ”التصعيد الأفقي”، أي توسيع دائرة الصراع خارج الأراضي الأوكرانية دون الدخول في حرب شاملة مع حلف الناتو.

ويرى الكاتب والمحلل البريطاني ديفيد بلير أن بعض الدوائر الغربية تدرس احتمال أن تلجأ روسيا إلى استهداف خطوط الإمداد أو البنية التحتية الداعمة لأوكرانيا داخل دول مجاورة، بهدف الضغط على الناتو وإرباك حساباته السياسية والعسكرية.

بولندا ودول البلطيق في الواجهة

تعد بولندا ودول البلطيق من أكثر الدول الأوروبية دعمًا لأوكرانيا، سواء من خلال استضافة القوات أو نقل الأسلحة والمساعدات العسكرية.

ويقول الخبير العسكري البريطاني جاك واتلينغ إن أي استهداف مباشر لهذه الدول سيشكل تحولًا بالغ الخطورة، لأنها أعضاء في حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفعيل مبدأ الدفاع الجماعي داخل الحلف.

الحرب الهجينة… البديل الأقل مخاطرة

يرى الباحث الأمريكي مايكل كوفمان أن روسيا قد تواصل الاعتماد على أدوات الحرب الهجينة، مثل الهجمات الإلكترونية، والتشويش، والتخريب، واستهداف البنية التحتية، باعتبارها وسائل تحقق ضغطًا على الغرب دون الوصول إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الناتو.

ويضيف أن موسكو استخدمت هذا النوع من العمليات خلال السنوات الماضية، لكنها لم تنجح في تقليص الدعم الغربي لكييف.

كيف يستعد الغرب؟

رفعت الدول الأوروبية خلال الفترة الأخيرة مستويات الجاهزية العسكرية، وعززت انتشار قوات الناتو في أوروبا الشرقية، كما زادت الإنفاق الدفاعي بصورة ملحوظة.

ويؤكد مسؤولون غربيون أن أي اعتداء مباشر على دولة عضو في الحلف سيواجه برد جماعي، في إطار سياسة الردع التي يتبناها الناتو.

مخاوف من سوء التقدير

يحذر خبراء الأمن الدولي من أن أخطر السيناريوهات لا يتمثل في قرار متعمد بالحرب، وإنما في وقوع حادث عسكري غير محسوب يؤدي إلى تصعيد متبادل يصعب احتواؤه.

كما يخشى الأوروبيون من أن استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الضغوط الاقتصادية، واضطرابات الطاقة، وزيادة الإنفاق العسكري على حساب برامج التنمية.

هل يغامر بوتين؟

يرى أستاذ العلاقات الدولية الأمريكي جون ميرشايمر أن القيادة الروسية تدرك جيدًا أن الدخول في مواجهة مباشرة مع الناتو يحمل مخاطر استراتيجية هائلة، ولذلك من المرجح أن تستمر في اتباع سياسة الضغط غير المباشر بدلًا من الحرب المفتوحة.

في المقابل، يرى الباحث البريطاني كير جايلز أن استبعاد سيناريو التصعيد سيكون خطأً، لأن استمرار الاستنزاف قد يدفع جميع الأطراف إلى خيارات أكثر خطورة مع مرور الوقت.

لا توجد مؤشرات تؤكد أن روسيا تتجه إلى مهاجمة دولة عضو في حلف الناتو، إلا أن استمرار الحرب في أوكرانيا وتزايد الضغوط العسكرية والاقتصادية على موسكو يجعلان سيناريوهات التصعيد محل نقاش متزايد في الأوساط السياسية والعسكرية.

وبينما يظل الردع المتبادل عاملًا رئيسيًا في منع اندلاع مواجهة مباشرة، فإن أي خطأ في الحسابات أو حادث ميداني قد يوسع نطاق الصراع، وهو ما يدفع الخبراء إلى التأكيد على أهمية استمرار قنوات الاتصال الدبلوماسية لتجنب انزلاق أوروبا إلى مواجهة أوسع.

اترك تعليقا