هل تقع حرب بين إيران والولايات المتحدة؟

الحد الفاصل بين الدبلوماسية القسرية والصراع المفتوح دقيق

الرائد|| قد تكون الإجابة الأكثر مباشرة على سؤال “هل الحرب قادمة؟” هي “من المحتمل جداً”. تجري حالياً مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة بوساطة عُمانية. ومع ذلك، من الصحيح أيضاً أن المفاوضات وحدها لا تضمن عدم استخدام القوة.

لا ينبع هذا الحذر من التجارب السابقة فحسب، ولا سيما عندما اندلعت الأعمال العدائية في يونيو 2025 قبل 48 ساعة فقط من الجولة السادسة من المحادثات، ولكن أيضًا من العقبات الكبيرة التي لا تزال تعيق التوصل إلى أي اتفاق دائم.

وراء هذه العقبات تكمن مجموعة من الحوافز الاستراتيجية التي قد تدفع، بشكل متناقض، واشنطن وتل أبيب وحتى طهران نفسها نحو تفضيل المواجهة العسكرية، كلٌ وفقاً لحساباته الخاصة بالمصلحة والتوقيت والمخاطر.

تكمن المفارقة في أن الحرب قد تصبح نتيجة محتملة سواء نجحت المفاوضات أم فشلت. ففي حال انهيارها، قد تلجأ إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى القوة كوسيلة لحل النزاعات مع إيران، والتي تتجاوز الملف النووي لتشمل تطوير الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي.

يشير حجم واستمرار عمليات الانتشار العسكري الأمريكي بالقرب من محيط إيران إلى وجود استعدادات لحملة قد تكون أوسع نطاقاً من صراع يونيو، لا سيما وأن مجموعة الأهداف المحتملة، أو ما يسمى “مجموعة الأهداف”، ستختلف اختلافاً جوهرياً.

في حين أن الغرض المباشر من هذا الحشد قد يكون ممارسة أقصى قدر من الضغط على طهران وانتزاع تنازلات على طاولة المفاوضات، إلا أن مثل هذا الموقف يمكن تفعيله في نهاية المطاف في ظل ثلاثة سيناريوهات محتملة: إذا رفضت إيران الاستسلام، أو إذا خلصت واشنطن إلى أن الدبلوماسية قد تحولت إلى تأخير استراتيجي، أو إذا كانت المحادثات نفسها تعمل في المقام الأول كوسيلة لكسب الوقت لتجميع القوات.

في المقابل، حتى الاتفاق الناجح الذي يركز بشكل ضيق على البرنامج النووي الإيراني قد لا يمنع التصعيد. وتشير المؤشرات المتاحة إلى أن المفاوضات الحالية تقتصر على الملف النووي، مع وجود أدلة ضئيلة على تحرك موازٍ بشأن القدرات الصاروخية.

من وجهة نظر إسرائيل، قد يجعل هذا التفاوت أي اتفاق يركز على الأسلحة النووية غير كافٍ استراتيجياً. وهناك عاملان يزيدان من حدة هذا القلق.

أولاً، أفادت التقارير أن البنية التحتية النووية الإيرانية قد تعرضت لأضرار جسيمة خلال الضربات التي شُنّت في يونيو/حزيران 2025 على فوردو وناتانز وأصفهان. ورغم أن هذه العمليات لم تقضِ على البرنامج النووي بشكل كامل، إلا أنها أعاقت مساره وعطّلت وتيرة التقدم الذي كان يسير قبل الحرب.

ثانياً، أظهرت الصواريخ الباليستية الإيرانية قدرة على اختراق عمق الأراضي الإسرائيلية، مما أدى إلى إلحاق أضرار تجاوزت التوقعات السابقة.

على الرغم من الجهود المبذولة للحد من الكشف العلني، إلا أن آثار تلك الهجمات كانت بالغة الأهمية لدرجة أنها أثرت على دعوات إسرائيل اللاحقة للتدخل الأمريكي والوقف المبكر للأعمال العدائية.

في هذا السياق، ليس من المستبعد أن تفكر إسرائيل في اتخاذ إجراء أحادي الجانب ضد برنامج الصواريخ الإيراني، ربما في إطار تفاهمات ضمنية مع واشنطن. ويمكن أن يتضمن هذا الترتيب سعي الولايات المتحدة إلى الحد من المخاطر النووية عبر الدبلوماسية، بينما تتصدى إسرائيل للتهديدات الصاروخية المتصورة من خلال تدابير عسكرية مدروسة.

في ظل هذا التقسيم للعمل، قد يقتصر دور واشنطن على الدعم الدفاعي ضد الضربات الانتقامية بدلاً من المشاركة المباشرة في العمليات الهجومية التي تستهدف أصول الصواريخ.

سواء كان هذا السيناريو يعكس تنسيقًا فعليًا للسياسات أو يبقى ضمن نطاق التخمين التحليلي، فإنه يؤكد على التعقيد متعدد الطبقات لديناميكيات الردع التي تشكل الآن حسابات الأمن الإقليمي.

من جانبها، قد ترى إيران أيضاً منطقاً استراتيجياً في خيار المواجهة، على الرغم من المخاطر الجسيمة التي ينطوي عليها. وينبع رفض طهران للشروط الأمريكية، ولا سيما تلك التي تتضمن قيوداً على مدى الصواريخ، من قناعتها بأن القدرات الباليستية تشكل ركيزة أساسية لموقفها الرادع.

عززت تجربة الأعمال العدائية الأخيرة هذا التقييم، إذ أحدثت الضربات الصاروخية آثاراً ملموسة داخل إسرائيل. وفي التفكير الاستراتيجي الإيراني، قد يؤدي التنازل عن قيود الصواريخ إلى تآكل ميزان القوى، مما يُعرّض إيران لضغوط خارجية مستمرة دون ضمانات مماثلة من الخصوم بضبط النفس.

يزيد البعد المحلي من تعقيد احتمالية التوصل إلى حل وسط. فبعد سنوات من تضخيم خطاب المقاومة وتصوير التقدم التكنولوجي كمسألة تتعلق بالكرامة السيادية، فإن أي تنازلات كبيرة قد تُفسر داخلياً على أنها استسلام استراتيجي.

في هذا السياق، قد تُعتبر التكلفة المتوقعة للدخول في صراع عالي المخاطر، حتى مع قوة عالمية مهيمنة، أقل من التكلفة السياسية للانسحاب. وقد يُقدّر صانعو السياسة الإيرانيون أيضاً أن المواجهة المطولة والمكلفة قد تُجبر واشنطن في نهاية المطاف على إعادة النظر في أهدافها، لا سيما إذا اتسع نطاق الصراع إقليمياً أو إذا تعذر تحقيق النتائج المتوقعة.

في جوهر الأمر، قد يعتمد النهج الإيراني على فرضية أن الانخراط في صراع مرهق قد يؤدي، في مرحلة لاحقة، إلى اتفاق أكثر مشروطية يتميز بمطالب أقل صرامة من تلك المطروحة حاليًا.

إن هذا المنطق، وإن كان قائماً على التكهنات، يعكس نمطاً أوسع في الأزمات الدولية حيث يسعى الفاعلون إلى إعادة تشكيل معايير التفاوض من خلال إظهار المرونة بدلاً من التكيف الفوري.

يجب التأكيد على أن جميع هذه السيناريوهات تبقى افتراضية وتخضع لاختبارات غير متوقعة للأحداث الجارية. إن قرار استخدام القوة سيشكل مقامرة خطيرة لجميع الأطراف المعنية، الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران على حد سواء.

يُقدّم التاريخ تذكيراً مُقلقاً: فبينما قد يكون بدء الحرب سريعاً نسبياً، نادراً ما يكون إنهاؤها كذلك. إنّ الحد الفاصل بين الدبلوماسية القسرية والصراع المفتوح دقيق، وبمجرد تجاوزه، غالباً ما يتحدى مسار التصعيد نوايا من أشعلوه.

محمد عباس ناجي

خبير بالشؤون الإيرانية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية