هل اعتبرت بريطانيا “بريكست” استقلالًا أم عبئًا اقتصاديًا وسياسيًا؟
تتصاعد الدعوات لإعادة انجلترا إلى الاتحاد الأوروبي مع تراجع الاقتصاد
- معاذ علي
- 20 يوليو، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- اقتصاد, اقتصاد بريطانيا, الاتحاد الأوروبي, الاقتصاد العالمي
في 23 يونيو 2016، لم يكن البريطانيون يصوتون فقط على البقاء أو الخروج من “الاتحاد الأوروبي”، بل كانوا يرسمون ملامح مرحلة جديدة في تاريخ “المملكة المتحدة”، النتيجة التي جاءت بفارق ضئيل، (51.9%) لصالح الخروج مقابل (48.1%) للبقاء، لم تُحدث زلزالًا سياسيًا داخل “بريطانيا” فحسب، بل هزّت “أوروبا” بأكملها، والمفارقة أن كثيرًا من المؤشرات كشفت لاحقًا أن قطاعًا من الناخبين لم يكن يدرك بالكامل تبعات القرار، إذ انتشرت بعد الاستفتاء تقارير عن ارتفاع عمليات البحث في “بريطانيا” عن سؤال: “ما هو الاتحاد الأوروبي؟”.
كما أثارت تعليقات على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة في “الصين”، موجة من السخرية والاستغراب من الطريقة التي اتُخذ بها قرار بهذا الحجم، وبعد مرور نحو عقد كامل، تبدو تلك التعليقات أكثر قربًا من الواقع، فبدلًا من أن يتحول “بريكست” إلى بوابة لازدهار اقتصادي واستقلال سياسي كما وعد مؤيدوه، أصبح عنوانًا لأزمة ممتدة ألقت بظلالها على الاقتصاد، وأربكت المشهد السياسي، وأعادت فتح النقاش حول جدوى الخروج وإمكانية العودة إلى التكتل مرة أخرى.
رهان سياسي تحول إلى أزمة تاريخية..
لم يكن خروج “بريطانيا” من “الاتحاد الأوروبي” نتيجة تحولات اقتصادية حتمية، بقدر ما كان نتاج حسابات سياسية خاطئة، فرئيس الوزراء آنذاك “ديفيد كاميرون”، رغم كونه من أبرز المدافعين عن بقاء بلاده داخل الاتحاد، تعهد في “عام 2013” بإجراء استفتاء إذا فاز حزبه المحافظ في الانتخابات، معتقدًا أن الظروف السياسية لن تجبره على تنفيذ الوعد، لكن فوز المحافظين بالأغلبية المطلقة في “انتخابات 2015″، وضعه أمام استحقاق لم يكن يتوقعه، ليتحول الاستفتاء إلى “مقامرة سياسية” انتهت بإسقاط حكومته نفسها.
وخلال حملة الاستفتاء، لعبت المعلومات المضللة دورًا محوريًا في تشكيل الرأي العام، وعلى رأسها الادعاء بأن “بريطانيا” ترسل (350 مليون جنيه إسترليني) أسبوعيًا إلى “الاتحاد الأوروبي”، وهو رقم أثبتت الوقائع لاحقًا أنه مبالغ فيه بشكل كبير، لكنه أصبح أحد أشهر شعارات حملة الخروج بعد أن تصدر مشهد الحافلة الحمراء الشهيرة، التي كُتب عليها (نرسل إلى الاتحاد الأوروبي 350 مليون جنيه إسترليني أسبوعيًا.. فلنمول خدماتنا الصحية الوطنية بدلًا من ذلك..صوتوا للمغادرة)، والتي جابت المدن البريطانية آنذاك، كأداة دعائية للخروج.
كما أسهم ضعف مشاركة الشباب، الذين كانوا يميلون إلى خيار البقاء، مقابل الإقبال الكثيف لكبار السن المؤيدين للخروج، في ترجيح الكفة لصالح “بريكست”، واستنادًا إلى “معاهدة لشبونة” (وهي الاتفاقية التي تنظم عمل الاتحاد الأوروبي منذ عام 2009، وتكتسب أهميتها في ملف بريكست لأنها تضم المادة 50 التي تحدد الإجراءات القانونية لخروج أي دولة عضو، وهي المادة التي فعّلتها بريطانيا لبدء مفاوضات انسحابها من الاتحاد)، دخلت “لندن” في مفاوضات شاقة مع “بروكسل”، لكن “الاتحاد الأوروبي” تمسك بموقف تفاوضي صارم، رافضًا منح “بريطانيا” مزايا العضوية دون تحمل التزاماتها، في رسالة واضحة إلى بقية الدول الأعضاء بأن الانسحاب لن يكون طريقًا للحصول على امتيازات إضافية.
اقتصاد أضعف..وسياسة أكثر اضطرابًا..
بعد سنوات من تنفيذ الخروج، بدأت التكلفة الحقيقية تظهر بوضوح، فبحسب دراسات أكاديمية حديثة، أدى “بريكست” إلى تراجع “الناتج المحلي الإجمالي البريطاني” بما يتراوح بين (6 و8%) مقارنة بالسيناريو الذي كانت ستبقى فيه “المملكة المتحدة” داخل “الاتحاد الأوروبي”، كما انخفض الاستثمار بنسبة تراوحت بين (12 و18%)، وتراجعت (معدلات التوظيف والإنتاجية).. هذه المؤشرات لم تبقَ حبيسة التقارير الاقتصادية، بل انعكست مباشرة على حياة البريطانيين، إذ أظهرت استطلاعات الرأي أن أغلبية واسعة ترى أن الخروج ساهم في ارتفاع تكاليف المعيشة، وأضر بالاقتصاد والشركات، بل وحتى بـ”ملف الهجرة” الذي كان أحد أبرز دوافع مؤيدي الانسحاب.
وفي المقابل، تغير المزاج الشعبي بصورة لافتة، مع تزايد نسبة المؤيدين لعودة “بريطانيا” إلى “الاتحاد الأوروبي”، حتى بين شريحة من الذين صوتوا سابقًا لصالح الخروج، لكن رغم هذا التحول، تبدو العودة أكثر تعقيدًا مما يتصور البعض، فالانضمام مجددًا لن يتم بالشروط السابقة، بل سيتطلب قبول قواعد جديدة وتقديم تنازلات سياسية يصعب على أي حكومة بريطانية تمريرها في ظل الانقسام الداخلي وصعود التيارات اليمينية الرافضة للتقارب مع “بروكسل”.
وفي الوقت نفسه، لم يعد “الاتحاد الأوروبي” متحمسًا لاستعادة العضو السابق بعد أن تمكن من احتواء آثار الانسحاب وإعادة ترتيب أوضاعه، وبين اقتصاد لم يستعد زخمه، ومشهد سياسي شهد تعاقب عدد غير مسبوق من رؤساء الوزراء خلال عقد واحد، تبدو “بريطانيا” اليوم أمام معادلة معقدة، فهي اكتشفت أن الخروج كان أسهل كثيرًا من إدارة تداعياته، وأن استعادة الثقة والوزن الاقتصادي قد تكون معركة أطول وأصعب من معركة “بريكست” نفسها.