مهن الأنبياء والرسل
رعي الغنم… المهنة المشتركة للأنبياء
- mabdo
- 4 فبراير، 2026
- تقارير
- اعمال الانبياء, حرفة الانبياء, من هو النبي الذي كان نساجا, مهن الأنبياء والرسل, مهن الانبياء, مهن الانبياء والرسل, مهنة الانبياء, مهنة كل نبي, وظيفة كل نبي
الرائد | لم يكن الأنبياء والرسل عليهم السلام شخصياتٍ معزولة عن واقع الحياة أو بعيدة عن هموم الناس اليومية، بل عاشوا بين أقوامهم، وخالطوهم، وشاركوا في بناء المجتمع والعمل فيه. وقد شكّل العمل في حياة الأنبياء قيمةً أخلاقية وتربوية عميقة، إذ لم يعتمدوا في رزقهم على صدقات أو عطايا، ولم يجعلوا من النبوة وسيلةً للكسب، بل كانوا قدوةً في السعي والكدّ والاعتماد على النفس، ليؤكدوا أن الإيمان الصادق لا ينفصل عن العمل الشريف.
وقد دلّت النصوص الشرعية على أن الله سبحانه وتعالى ما بعث نبيًا إلا وجعل له مهنةً أو عملًا يكسب منه قوته، كما جاء في الحديث الصحيح: «ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم». وهذا المعنى يرسّخ فكرة أن العمل لم يكن أمرًا عارضًا في حياة الأنبياء، بل كان جزءًا من إعدادهم النفسي والعملي لحمل الرسالة.
رعي الغنم… المهنة المشتركة للأنبياء
شكّل رعي الغنم مرحلةً أساسية في حياة عدد من الأنبياء، وفي مقدمتهم موسى عليه السلام، وداود عليه السلام، وخاتمهم محمد ﷺ. وقد أشار العلماء إلى أن هذه المهنة بما تحمله من مشقة وعزلة ومسؤولية كانت تزرع في النفس الصبر والحلم والرحمة، وهي الصفات التي لا غنى عنها لمن يقود الناس ويهديهم. فقد عمل موسى عليه السلام أجيرًا يرعى الغنم لدى شعيب عليه السلام سنواتٍ طويلة، كما قصّ القرآن الكريم في سورة القصص، وكان في تلك السنوات إعدادٌ إلهي له قبل تكليفه بالرسالة.
أما النبي محمد ﷺ فقد رعى الغنم في صغره بمكة، ولم يكن في ذلك ما يُنقص من قدره، بل كان تدريبًا عمليًا على القيادة وتحمل الأمانة، وهي القيم التي ظهرت جليًا في دعوته لاحقًا.
آدم عليه السلام… الزراعة وبداية عمارة الأرض
كان آدم عليه السلام أول نبي وأول إنسان، وقد علّمه الله أساسيات الحياة وسبل البقاء، فكان يعمل في الزراعة وحرث الأرض. ومنذ اللحظة الأولى لنزول الإنسان إلى الأرض، ارتبطت العبادة بالعمل، وجاء التكليف الإلهي بعمارة الأرض دلالةً واضحة على أن السعي والعمل جزء من الاستخلاف. وقد ذكرت كتب التفسير والسير أن آدم عليه السلام كان يزرع ويأكل من كدّ يده، ليكون بذلك أول من أرشد البشرية إلى قيمة العمل.
نوح عليه السلام… النجّار الذي صنع النجاة
برز نوح عليه السلام نموذجًا فريدًا في الجمع بين الإيمان والعمل، فقد أمره الله بصناعة السفينة بيده، في وقتٍ لم يكن فيه بحر ولا طوفان. كانت النجارة مهنته، وصناعة الفلك كانت اختبارًا لصبره ويقينه، إذ واجه سخرية قومه واستهزاءهم وهو يواصل العمل بثبات وإيمان. وقد سجّل القرآن هذا المشهد المؤثر، ليؤكد أن العمل المقرون بالإيمان قد يكون وسيلة نجاة، لا لصاحبه فحسب، بل للبشرية كلها.
إدريس عليه السلام… الخياطة وبداية العلم
يُذكر في كتب التاريخ الإسلامي أن إدريس عليه السلام كان أول من خط بالقلم وأول من خاط الثياب، بعد أن كان الناس يلبسون الجلود. وقد جمع هذا النبي بين الحرفة والعلم والعبادة، ليقدّم نموذجًا متكاملًا للإنسان العامل المتعلم. ولم تكن مهنته مجرد وسيلة للرزق، بل كانت خطوة في تطور الحياة الإنسانية وتنظيمها.
داود عليه السلام… الملك الذي عمل بيده
رغم أن داود عليه السلام كان نبيًا وملكًا، إلا أنه لم يعتمد على مُلكه في كسب رزقه، بل علّمه الله صنعة الحدادة، فكان يصنع الدروع ويبيعها ويأكل من ثمنها. وقد ورد في الحديث الشريف أن خير الكسب هو ما كان من عمل اليد، وضُرب داود عليه السلام مثالًا لذلك. وتُبرز هذه القصة قيمة عظيمة، وهي أن المكانة الاجتماعية أو السلطان لا يُغنيان عن العمل، وأن التواضع في الكسب شرف لا يناله إلا الكبار.
زكريا عليه السلام… النجارة في محراب العبادة
كان زكريا عليه السلام نبيًا قائمًا على خدمة بيت المقدس، ومع ذلك لم يتفرغ للعبادة فقط، بل عمل نجارًا يأكل من عمل يده. وقد ورد ذلك في الحديث الصحيح، ليؤكد أن العبادة الصادقة لا تتعارض مع العمل، وأن الزهد الحقيقي لا يعني ترك السعي، بل القيام بالواجب الدنيوي بإخلاص كما يقوم العبد بواجباته الدينية.
محمد ﷺ… التاجر الصادق الأمين
مثّلت حياة النبي محمد ﷺ قبل البعثة وبعدها نموذجًا عمليًا للأخلاق في العمل، فقد عمل راعيًا ثم تاجرًا، واشتهر في قريش بالصدق والأمانة. وكانت تجارته قائمة على النزاهة والعدل، حتى شهد له خصومه قبل أنصاره. ولمّا بعثه الله نبيًا، لم يتخلّ عن قيمة العمل، بل رسّخها في نفوس أصحابه، وجعل الكسب الحلال جزءًا من منظومة الإيمان.
أنبياء لم ترد مهنهم في القرآن:
إضافة إلى من ذُكروا سابقًا، تُنقل عن بعض الأنبياء مهن أو أعمال اشتهروا بها، وإن لم يرد بها نصٌّ قرآني صريح دائمًا، لكنها مذكورة في كتب الحديث والتفسير المعتبرة.
إبراهيم عليه السلام
لم يثبت عن إبراهيم عليه السلام أنه اتخذ مهنة محددة بالمعنى المتعارف عليه، لكنه عُرف برعاية شؤون أهله وضيافة الناس، حتى لُقّب بـ«أبي الضيفان». وقد ذكر القرآن مشهده وهو يُسرع لإعداد الطعام لضيوفه، ما يدل على قيامه بشؤون المعاش بنفسه، وإن لم تُعدّ ذلك مهنة مستقلة.
قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ (سورة الذاريات: 26)
يوسف عليه السلام
كان يوسف عليه السلام صاحب خبرة إدارية واقتصادية واضحة، حين تولّى خزائن الأرض في مصر. وقد دلّ القرآن على إلمامه بالتخطيط وإدارة الموارد، وهو ما يمكن اعتباره عملًا رسميًا مشروعًا.
قال تعالى: ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة يوسف: 55)، ويرى عدد من المفسرين أن هذا دليل على مشروعية تولّي المناصب الإدارية متى اقترنت بالأمانة والعلم.
سليمان عليه السلام
اشتهر سليمان عليه السلام بالحكم والقضاء، وقد سخّر الله له الجن والرياح والطير، لكنه كان قائمًا على إدارة الملك والقضاء بين الناس. ولم يكن ذلك ترفًا أو تسلّطًا، بل عملًا قائمًا على العدل والحكمة.
قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ (سورة النمل: 16). وقد اعتبر العلماء القضاء من أشرف الأعمال التي مارسها الأنبياء، لما فيه من إقامة الحق.
شعيب عليه السلام
عُرف شعيب عليه السلام بدعوته إلى العدل في الميزان والكيل، مما يدل على أنه كان على دراية بأسواق قومه ومعاملاتهم التجارية. ورغم عدم ثبوت مهنة بعينها له، إلا أن خطابه لقومه يكشف عن معرفة دقيقة بشؤون البيع والشراء. قال تعالى: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ (سورة الشعراء: 181).
العمل رسالة الأنبياء الخالدة
إن التأمل في مهن الأنبياء والرسل يكشف أن العمل لم يكن هامشًا في حياتهم، بل كان رسالةً صامتة تسبق الكلمة والخطاب. فقد علّموا البشرية أن الكرامة في السعي، وأن الدعوة لا تكتمل إلا بالقدوة، وأن الإيمان الحقيقي يُترجم إلى عمل نافع في الأرض. وهكذا تبقى سيرتهم شاهدًا خالدًا على أن العمل الشريف عبادة، وأن الرسالات السماوية جاءت لتبني الإنسان روحًا وجسدًا معًا.