من هرمز إلى دمياط …..هل تتمدد الحرب عبر عقد الطاقة الخانقة ؟

ماجدة القاضي تكتب

قبل ساعات فقط من حادث دمياط، كان الحديث يدور حول صفقة جديدة لتوريد الغاز من حقل تمار إلى مصر بقيمة قد تصل إلى 20 مليار دولار. وبالنسبة لكثيرين كان الأمر مجرد خبر اقتصادى، لكنه فى الحقيقة كان يعكس شيئًا أكبر؛ فكل اتفاق جديد يمر عبر محطات الإسالة وإعادة التغويز المصرية يعزز موقع البلاد كعقدة رئيسية فى شبكة طاقة شرق المتوسط .
وهنا يصبح من الضرورى النظر إلى حادث الأمس من زاوية مختلفة.
فكلما تحولت مصر إلى عقدة رئيسية فى شبكة الطاقة، تحولت بنيتها التحتية من أصول اقتصادية إلى أصول استراتيجية، ترتبط بها مصالح دول وشركات وأسواق تتجاوز الحدود المصرية.
فى الأدبيات الاستراتيجية يوجد مصطلح يتردد بقوة منذ عدة أشهر يعرف بـ “نقاط الاختناق” (Chokepoints)، ويقصد به المواقع التى يؤدى تعطيلها أو حتى التهديد باستهدافها إلى إرباك تدفق الطاقة أو التجارة العالمية. ولهذا ظل مضيق هرمز لعقود أحد أهم نقاط الاختناق فى العالم، ثم انضم إليه باب المندب الآن مع تصاعد الهجمات على الملاحة فى البحر الأحمر.
لكن الشرق الأوسط لا يتغيرحاله فقط عند المضائق البحرية.
فمع إعادة تشكيل خريطة الطاقة، بدأت تظهر عقد جديدة داخل هذه الشبكة؛ موانئ، ومحطات إسالة، ووحدات إعادة تغويز، وخطوط ربط، أصبحت لا تقل أهمية عن المضائق نفسها. ودمياط واحدة من هذه العقد التى ازدادت أهميتها مؤخرًا مع توسع الدور المصرى فى تجارة الغاز الإقليمية.
لهذا لا تكمن أهمية حادث الأمس فى حجم الأضرار وحده أو مجرد ضرب لمصالح أمريكية ، وإنما فى المكان الذى وقع فيه.
فخلال الأشهر الماضية تعرضت شبكة الطاقة العالمية لضغوط متزايدة؛ تهديدات فى مضيق هرمز، وهجمات فى باب المندب أثرت على الملاحة فى البحر الأحمر، وتباطؤ فى حركة بعض شحنات النفط المارة عبر قناة السويس. ومع كل ذلك ارتفعت القيمة الاستراتيجية لمنشآت شرق المتوسط باعتبارها جزءًا من شبكة إمداد أصبحت أكثر اعتمادًا عليها.
ومن هنا يصبح السؤال مختلفًا.
حتى لو كانت الأضرار محدودة، فإن مجرد وصول التهديد إلى عقدة من عقد الطاقة يرسل رسالة تتجاوز موقع الحادث نفسه. فشركات التأمين لا تقرأ عدد الخسائر فقط، بل تقرأ مستوى المخاطر. وشركات الشحن لا تراقب حجم الحريق، بل تراقب ما إذا كانت البنية التحتية للطاقة أصبحت تدخل تدريجيًا ضمن ساحات الصراع ومن هنا تبدأ عملية الاختناق .
ولعل اللافت فى الساعات الأولى لم يكن الحادث وحده، بل الطريقة التى أُدير بها إعلاميًا. فعلى الرغم من أن شركات الأمن البحرى تحدثت مبكرًا عن احتمال تعرض السفينة لهجوم بطائرة مسيرة وغالبا مايكون هذا من معلومات مباشرة من طاقم القيادة ، فإن معظم المحللين تجنبوا تبنى هذا السيناريو، كما لم تتحول هذه الرواية إلى موقف رسمى إلا بعد انتهاء التحقيقات الأولية.
ولم يكن التردد فى استخدام كلمة “مسيّرة” متعلقًا فقط بوسيلة الهجوم، بل بالدلالة التى تحملها الكلمة نفسها. فالإقرار بأن ناقلة ضخمة للغاز تعرضت لهجوم بطائرة مسيرة في قلب ميناء حيوى كميناء دمياط ، يعنى أن إحدى عقد الطاقة فى شرق المتوسط أصبحت جزءًا من بيئة الصراع الإقليمى والاستهداف ، وهو استنتاج كبير لا يمكن بناؤه على تقديرات أولية أو تقارير غير رسمية، بل على تحقيقات مكتملة.
ولهذا قد تصبح إدارة المعلومة جزءًا من إدارة الأزمة نفسها، تمامًا كما تصبح السيطرة على الحريق جزءًا منها.
ورغم أن التحقيقات لم تحدد حتى الآن الجهة المنفذة، فإن الحادث يطرح سؤالًا يتجاوز البحث عن الفاعل: هل نشهد مرحلة جديدة من الصراع فى الشرق الأوسط، تنتقل فيها الضغوط تدريجيًا من المضائق البحرية التقليدية إلى عقد الطاقة التى تقوم عليها شبكة الإمداد الإقليمية؟
فإذا كان هرمز وباب المندب يمثلان أهم نقاط الاختناق فى حركة الطاقة العالمية، فإن السؤال الذى يفرض نفسه اليوم هو: هل بدأت عقد الطاقة فى شرق المتوسط تنضم هى الأخرى إلى خريطة الصراع؟ والسؤال الأكثر حرجا هل تتكرر عملية الاستهداف مره أخرى في ظل حرب المسيرات الرخيصة القادرة على التخفي والخداع والتسبب في الأضرار الفادحة، لإثبات ان الجميع سيقع في أزمة الاختناق، ولا أحد سيكون خارج الأزمة ؟الحرب تتمدد ،وتلقي بشبح الخراب على نطاق أكبر من حسابات المنطق على مايبدو .

اترك تعليقا