كردفان السودان ما بين نيران الحرب وصمت العالم

بعد أن استحوذت قوات الدعم على الفاشر،

تتصاعد منذ أشهر موجة العنف في كردفان ودارفور داخل السودان، في ظل صراع بين قوات الدعم السريع (RSF) والجيش السوداني (SAF) بدأ في أبريل 2023.

في هذا الإطار، أصدرت الأمم المتحدة تحذيراً «صارماً» إثر ما رصدته من تحضيرات لتصعيد عسكري في كردفان، والتركيز يتجه نحو مدينة الفاشر وما حولها. التقرير الآتي يرصد الأبعاد الميدانية والإنسانية، ويستعرض آراء الخبراء حول ماذا يعني ذلك للمشهد السوداني ككل.

السياق الميداني والتطورات

بعد أن استحوذت قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، العاصمة الرئيسية لولاية شمال دارفور، انتقل التركيز إلى شرق السودان، نحو كردفان، في ما يبدو محاولة لتوسيع النفوذ العسكري والسيطرة الإقليمية.

هذا الاستيلاء الفاشري مثّل لحظة فاصلة، إذ أن المدينة كانت آخر معقل للجيش في غرب دارفور، مما مَكّن الطرف شبه العسكري من السيطرة على عواصم الولايات الخمس في دارفور.

في ظل ذلك، حذّرت الأمم المتحدة من أن «التطورات الميدانية تشير إلى استعدادات واضحة لتصعيد الأعمال العدائية»،

وأن المدنيين باتوا في مرمى القصف والاغتيالات والتهجير الجماعي. يأتي ذلك في ظرف تتزايد فيه الخسائر في صفوف المدنيين، وتتزايد أعداد النازحين، فيما لا تبدو هناك مؤشرات على تهدئة تُذكر.

الأبعاد الإنسانية والانتهاكات

ما يُثير القلق ليس فقط التوسع الميداني، بل أيضاً نمط الانتهاكات: منع المدنيين من الخروج من الفاشر، إعدامات ميدانية، اغتصاب، عنف قائم على الهوية العرقية، دهس بالشاحنات، استهداف مخيمات النازحين، واستخدام طائرات بدون طيار. مثل هذه الانتهاكات أوردتها التقارير الدولية في دارفور وكردفان، إذ ربطت بين تحشيد القوات شبه العسكرية وتصعيد العنف على أساس عرقي أو مناطقي.

النتيجة: سكان محاصرون، مساعدات إنسانية متعطّلة أو محجوزة، مناخ رعب وفوضى، وأفق مظلم أمام المدنيين الذين لا يجدون متنفساً أو ملاذاً آمناً.

آراء الخبراء 

1. خطر «الإبادة الجماعية» أو «التطهير العرقي»

أشار الخبراء إلى أن دارفور تشهد «أسوأ العنف منذ 2005»، متهمين قوات الدعم السريع وحلفاءها بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وفقاً لخبراء من الأمم المتحدة، فإن العالم يواجه «خطر إبادة جماعية متصاعد» في دارفور، بسبب استهداف جماعات غير عربية في إطار العنف العرقي.

2. تأثير التصعيد على وحدة السودان ومآلات الصراع

تحليلات بارزة ترى أن تقسيم السودان أصبح واقعيّاً في هذه اللحظة، وأن سيطرة قوات شبه عسكرية على كردفان ودارفور يمكن أن تؤدي إلى خروج منطقتين عن السيطرة المركزية، مما يغيّر الخارطة السياسية للبلاد.

من منظور آخر، يُنظر إلى هذه الحرب بوصفها «مُغيّرة لقواعد اللعبة» في السودان، حيث ليس الصراع على الحكم فحسب، بل على شكل الدولة والمناطق التي تُهيمن عليها.

3. الحماية والمساءلة

يطالب خبراء قانونيون بضرورة تدخل فوري من المحكمة الجنائية الدولية (ICC) أو تشكيل لجنة تحقيق دولية لجمع الأدلة وتنفيذها، لأن الزمن يمضي والشهود يتشتتون.

خبراء حقوقيون أيضاً يحذرون من استخدام الطائرات المسيرة (الدرون) للضربات التي تستهدف المدنيين والبُنى التحتية، معتبرين أن ذلك يمثل خرقاً واضحاً للقانون الإنساني الدولي.

ما بين السياسة والمصالح الدولية

إن التوسع شرقاً من دارفور إلى كردفان ليس مجرّد تحرّك عسكري، بل يحمل أبعاداً سياسية عدة:

هناك من يرى أن قوات الدعم السريع تسعى لخلق قواعد سلطتها الخاصة، وربما إقليم تحت سيطرتها أو نفوذها، ما يُهدد وحدة السودان.

في المقابل، قد تقبل بعض القوى الإقليمية – من بينها دول الجوار – بتقسيم الأمر واقعياً، إن كان يُسهّل لها إدارة الأوضاع أو النفوذ في تلك المناطق.

النظام الدولي حتى الآن وُصف بأنه «متجاهل» أو «مُفتقر» إلى إرادة التحرك الفعلي، ما يربِّي شعوراً بالإفلات من العقاب لدى مرتكبي الانتهاكات.

تبعات محتملة

انفصال منطقي للدولة: إذا استمر الأمر بهذا المنحى، قد يصبح وجود حكومة مركزية فعالة في السودان أمراً شبه مستحيل، ويصبح شرق-غرب البلاد بمثابة كيانين منفصلين.

أزمة إنسانية متفجرة: التهجير الجماعي، المجاعة، انهيار الخدمات الأساسية، كل ذلك سينتج عنه كارثة إنسانية أعنف مما حصل حتى الآن.

حل عسكري لا حل سياسي: استمرار التصعيد يوحّد الطرفين على اعتماد الخيار العسكري، ويُهزم المسعى لسلام تفاوضي أو انتقال سياسي سلمي.

انعدام المساءلة وزيادة الانتهاكات: مع عدم وجود تحرك دولي حاسم، سيستمر مرتكبو الانتهاكات في الإقدام عليها بلا رادع، ما يغذّي دوامة العنف.

توصيات عاجلة

دعم دخول فرق تحقيق دولية إلى الميدان فوراً، وجمع الأدلة قبل أن تضيّع أو تُدمّر.

ضمان إمداد المساعدات الإنسانية، ونزع السيطرة شبه الرسمية التي تفرضها بعض الأطراف على المنظمات الإغاثية.

فرض حظر على توريد الأسلحة إلى الأطراف التي تواصل ارتكاب الانتهاكات، وتفعيل آليات العقوبات.

دعم القوى الوطنية التي تدعو إلى إنهاء العنف والتفاوض، بدل تعزيز خيار المواجهة العسكرية.

تحسيس دول الجوار والمجتمع الدولي بأن ما يحصل في دارفور وكردفان ليس ملفاً نُسي، بل اختبار لردع الجرائم الكبرى في القرن الحادي والعشرين.

التحذير الأخير الذي أصدرته الأمم المتحدة ليس مجرد بيان تقريري، بل ردّ فعل على واقع ميداني يتغيّر بسرعة ويضع السودان أمام مفترق مصيري. إن تجاهُل ما يحدث في دارفور وكردفان لن يعني نهاية المشكلة هناك فقط، بل ربما نهاية السودان

كما نعرفه اليوم. الخيار بين التصعيد أو السلام لا يزال متاحاً، لكن الزمن ليس في صالح الضحايا أو المدنيين البسطاء. يتطلّب الأمر قراراً دولياً ومحلياً يتجاوز التصريحات إلى إجراءات فعلية، قبل أن يصبح ما يحصل أمراً لا يمكن عكسه.