قمة السبع تبحث السلام الإيراني والحرب الأوكرانية معًا

في اختبارا حقيقي لقدرة القوى الكبرى

دخلت قمة مجموعة السبع المنعقدة في مدينة إيفيان الفرنسية مرحلة مفصلية من النقاشات الدولية، بعدما فرض الاتفاق الأمريكي الإيراني لوقف الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز نفسه على جدول الأعمال إلى جانب الحرب الروسية الأوكرانية التي ما تزال تلقي بظلالها الثقيلة على الأمن الأوروبي والعالمي. وبينما يحاول القادة المجتمعون البحث عن مسارات جديدة للاستقرار، تبدو القمة اختباراً لقدرة القوى الكبرى على إدارة أزمات متشابكة تمتد من الشرق الأوسط إلى أوروبا.

منذ الجلسة الافتتاحية، بدا واضحاً أن الاتفاق الأمريكي الإيراني لم يعد مجرد تفاهم ثنائي، بل تحول إلى ملف دولي يهم اقتصادات العالم كافة. فالممرات البحرية، وأسعار الطاقة، وحركة التجارة العالمية أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بنجاح هذا الاتفاق أو تعثره، الأمر الذي دفع زعماء الدول الصناعية إلى منحه مساحة واسعة من النقاش.

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اعتبر أن الاتفاق يمثل انفراجة تاريخية يمكن أن تفتح صفحة جديدة مع إيران بعد سنوات من الصدام والتوتر. وذهب إلى أبعد من ذلك عندما ربط بين الاتفاق وبين تراجع أسعار النفط وانتعاش الأسواق المالية، في إشارة إلى أن الاستقرار السياسي ينعكس فوراً على الاقتصاد العالمي.

في المقابل، أبدى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ترحيباً واضحاً بالتفاهم، معتبراً أنه يشكل فرصة حقيقية لتعزيز السلام الدولي، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز وعدم فرض أي رسوم أو قيود قد تؤدي إلى اضطراب حركة التجارة.

ويعد مضيق هرمز أحد أهم الملفات التي حضرت بقوة في القمة، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية. ولذلك فإن إعلان إعادة فتحه بالكامل بعد عمليات إزالة الألغام أثار ارتياحاً واسعاً لدى الأسواق والدول المستوردة للطاقة، لكنه في الوقت نفسه فتح باباً جديداً للنقاش حول طبيعة الإجراءات التنظيمية التي قد تفرضها إيران مستقبلاً على السفن العابرة.

ويرى خبراء الاقتصاد الدولي أن مجرد الحديث عن استقرار الملاحة في المضيق ساهم في تهدئة مخاوف المستثمرين، لأن أي تعطيل لهذا الممر كان سيؤدي إلى ارتفاعات حادة في أسعار النفط والغاز وانعكاسات تضخمية على الاقتصاد العالمي.

ويشير الباحثون في شؤون الطاقة إلى أن الدول الأوروبية كانت من أكثر الأطراف اهتماماً بملف المضيق، نظراً لاعتمادها الكبير على استيراد الطاقة، ولذلك مارست ضغوطاً دبلوماسية لتأكيد ضمانات حرية الملاحة وعدم تحويل المضيق إلى أداة ضغط سياسية.

على الجانب الآخر، لم تغب الحرب الروسية الأوكرانية عن المشهد. فالقادة الأوروبيون حاولوا استثمار حضور الرئيس الأمريكي لإعادة التأكيد على ضرورة استمرار الضغط على موسكو من أجل التوصل إلى تسوية تحقق المطالب الأوكرانية، خاصة بعد الهجمات الأخيرة التي طالت العاصمة كييف وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استغل المناسبة للدعوة إلى موقف أكثر حزماً من دول المجموعة، مؤكداً أن استمرار العمليات العسكرية يهدد الأمن الأوروبي بأكمله، وأن أي تراجع في الدعم الغربي سيمنح روسيا فرصة لتعزيز مكاسبها الميدانية.

في المقابل، تحدث المستشار الألماني فريدريش ميرتس بلغة تجمع بين الواقعية والتفاؤل الحذر، معتبراً أن العالم يمر بمرحلة مضطربة لكنها قد تتيح أيضاً فرصاً جديدة للحلول السياسية إذا توفرت الإرادة الدولية.

ويرى محللون في العلاقات الدولية أن اجتماع ملفي إيران وأوكرانيا في قمة واحدة يعكس طبيعة النظام العالمي الجديد، حيث لم تعد الأزمات منفصلة عن بعضها، بل أصبحت مترابطة من خلال تأثيرها المباشر على الاقتصاد والطاقة والأمن الجماعي.

ويعتقد عدد من الخبراء أن الولايات المتحدة تسعى من خلال الاتفاق مع إيران إلى تخفيف الضغوط في الشرق الأوسط حتى تتمكن من توجيه اهتمام أكبر إلى ملفات أخرى مثل المنافسة مع الصين والحرب في أوكرانيا، وهو ما يفسر الحماس الأمريكي الواضح لإنجاح الاتفاق.

في المقابل، يرى متخصصون في الشأن الإيراني أن نجاح التفاهم سيظل مرهوناً بمدى التزام جميع الأطراف بتنفيذ بنوده، وأن أي خلاف حول العقوبات أو البرنامج النووي أو آليات التنفيذ قد يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.

أما الخبراء الأوروبيون فيركزون على الجانب الاقتصادي، معتبرين أن استقرار الخليج وإعادة فتح مضيق هرمز سيمنح الاقتصاد العالمي متنفساً بعد سنوات من التقلبات، لكنه لا يلغي المخاطر المرتبطة باستمرار الحرب في أوكرانيا.

ومن زاوية أخرى، يرى بعض المحللين أن القمة تعكس تحولات مهمة في طبيعة التحالفات الدولية، إذ لم تعد مجموعة السبع تكتفي بمناقشة قضايا اقتصادية بحتة، بل أصبحت منصة لإدارة الملفات الأمنية والسياسية الأكثر تعقيداً في العالم.

كما يلفت مراقبون إلى أن دعوة قادة من خارج المجموعة، مثل قادة دول عربية وآسيوية وأمريكية لاتينية، تؤكد رغبة فرنسا في توسيع دائرة التشاور الدولي وإشراك قوى إقليمية مؤثرة في معالجة الأزمات العالمية.

ومن المتوقع أن تلعب اللقاءات الجانبية بين الولايات المتحدة وقطر ومصر والإمارات دوراً مهماً في بحث مستقبل التهدئة في المنطقة، خاصة مع ارتباط هذه الدول بملفات الوساطة والأمن الإقليمي والطاقة.

ردود الفعل الدولية جاءت متباينة. ففي حين رحبت العديد من الدول الأوروبية بالاتفاق الأمريكي الإيراني باعتباره خطوة نحو خفض التصعيد، أبدت بعض الأوساط السياسية تحفظات تتعلق بضرورة مراقبة تنفيذ الالتزامات وضمان عدم استغلال الاتفاق لتحقيق مكاسب أحادية.

كما أبدت أسواق المال العالمية مؤشرات إيجابية مع بداية القمة، حيث انعكس التفاؤل بإعادة فتح مضيق هرمز على تحركات المستثمرين، بينما بقيت حالة الترقب قائمة بسبب استمرار الحرب في أوكرانيا وعدم وضوح مسارها النهائي.

ويرى خبراء الأمن البحري أن إعادة الاستقرار إلى الممرات المائية الدولية لا تقل أهمية عن الاتفاقات السياسية، لأن سلامة حركة التجارة تمثل ركناً أساسياً في استقرار الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل اعتماد الصناعات الكبرى على سلاسل إمداد معقدة تمر عبر الخليج.

وفي الوقت نفسه، يحذر باحثون من المبالغة في التفاؤل، معتبرين أن الاتفاقات السياسية تحتاج إلى اختبارات عملية طويلة قبل الحكم على نجاحها، وأن أي حادث أمني أو خلاف دبلوماسي قد يعيد التوتر بسرعة إلى المنطقة.

ويؤكد محللون أن نجاح قمة مجموعة السبع لن يقاس فقط بالبيانات الختامية، بل بقدرتها على إنتاج آليات متابعة حقيقية تضمن تنفيذ التعهدات وتحويلها إلى خطوات عملية على الأرض.

في المحصلة، تبدو قمة إيفيان أكثر من مجرد اجتماع دوري للدول الصناعية الكبرى، فهي تعكس لحظة مفصلية يحاول فيها المجتمع الدولي التعامل مع أزمتين كبيرتين في آن واحد: تثبيت السلام الهش بين واشنطن وطهران، والبحث عن مخرج للحرب الروسية الأوكرانية. وبين التفاؤل الحذر والشكوك الواقعية، تبقى نتائج القمة مرهونة بمدى قدرة القادة على تحويل التفاهمات السياسية إلى استقرار دائم ينعكس على الأمن والاقتصاد العالميين.