عندما تتحول الأموال إلى سلاح سياسي

بقلم: السيد التيجاني

كلما اقتربت الولايات المتحدة وإيران من طاولة التفاوض، أجد أن ملف الأموال الإيرانية المجمدة يعود إلى الواجهة باعتباره أكثر من مجرد قضية مالية. فهذه المليارات المحتجزة في بنوك خارجية لم تعد أرقامًا في حسابات مصرفية، بل أصبحت ورقة سياسية تستخدمها واشنطن، وحقًا سياديًا تتمسك به طهران، وأداة مساومة تؤثر في مستقبل العلاقة بين البلدين.

وأنا أتابع هذا الملف منذ سنوات، ألاحظ أن الخلاف الحقيقي لا يدور حول قيمة الأموال، وإنما حول من يمتلك قرار التصرف فيها. فإيران تنظر إليها باعتبارها عائدات نفطية مستحقة لا يحق لأحد مصادرتها أو فرض قيود على استخدامها، بينما ترى الولايات المتحدة أن الإفراج عنها يجب أن يكون جزءًا من صفقة أوسع تتضمن ضمانات سياسية وأمنية ونووية.

من هنا، أعتقد أن اختزال القضية في عبارة “الإفراج عن الأموال” لا يعكس حقيقة المشهد، لأن القضية في جوهرها تتعلق بموازين القوى أكثر مما تتعلق بالاقتصاد.

ليست قضية مالية فقط

لو كانت المشكلة مالية بحتة، لكان حلها أسهل بكثير. لكن الواقع مختلف تمامًا. فهذه الأموال أصبحت إحدى أدوات النفوذ الأمريكي، كما تحولت بالنسبة لإيران إلى رمز للسيادة الوطنية.

وأرى أن كل دولار يبقى مجمدًا يحمل رسالة سياسية قبل أن يحمل قيمة اقتصادية. فالولايات المتحدة تريد أن تقول إنها لا تزال تملك أدوات الضغط، بينما تحاول إيران إثبات أن العقوبات لن تحرمها من حقوقها القانونية.

وهنا تكمن المفارقة؛ إذ يتحدث كل طرف عن القانون، لكن كل منهما يفسره بما يخدم مصالحه.

مليارات تنتظر القرار السياسي

تتحدث إيران عن أكثر من مائة مليار دولار من الأموال المجمدة في دول مختلفة، بينما تقلل بعض التقديرات الغربية من الرقم الفعلي القابل للإفراج عنه بسبب القيود القانونية والمالية.

لكنني أرى أن قيمة الأموال، مهما بلغت، ليست العنصر الأكثر أهمية، لأن الإفراج عن عشرة مليارات دولار أو عشرين مليارًا لن يغير قواعد اللعبة إذا بقيت العقوبات الأساسية مفروضة على الاقتصاد الإيراني.

فالاقتصاد لا يتعافى بمجرد ضخ السيولة، وإنما يحتاج إلى حرية التجارة والاستثمار والوصول إلى النظام المالي العالمي.

واشنطن لا تقدم هدايا مجانية

من يتابع السياسة الأمريكية يدرك أنها لا تقدم تنازلات مجانية. ولذلك لا أعتقد أن الإفراج عن الأموال سيتم دون مقابل واضح.

الإدارة الأمريكية تنظر إلى هذه الأصول باعتبارها ورقة تفاوض يمكن استخدامها للحصول على التزامات إيرانية، سواء في الملف النووي أو في القضايا الإقليمية.

ولهذا السبب، تصر واشنطن على أن يكون استخدام الأموال خاضعًا لرقابة صارمة، وأن يتم توجيهها إلى الاحتياجات الإنسانية أو الاقتصادية، مع الاحتفاظ بحق إعادة فرض القيود إذا تغير سلوك طهران.

وهذا الموقف، من وجهة النظر الأمريكية، يمثل ضمانة أمنية، لكنه بالنسبة للإيرانيين يعد استمرارًا للعقوبات بصيغة مختلفة.

إيران تتمسك بحقها

في المقابل، لا أجد أن الموقف الإيراني يخلو من منطق قانوني. فهذه الأموال هي حصيلة صادرات نفطية دفعت ثمنها دول أخرى بالفعل، وبالتالي ترى طهران أنها ملك لها ولا يجوز ربطها بأي شروط سياسية.

كما تؤكد القيادة الإيرانية أن قبول الرقابة الأمريكية على أموالها يعني عمليًا الاعتراف بحق واشنطن في إدارة جزء من الاقتصاد الإيراني، وهو ما تعتبره مساسًا بالسيادة الوطنية.

ومن هنا، يصبح من السهل فهم سبب تشدد طهران في هذا الملف، حتى وإن كانت بحاجة ماسة إلى تلك الأموال لإنعاش اقتصادها.

أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة أموال

كلما تعمقت في هذا الملف، أزداد اقتناعًا بأن الأزمة الحقيقية ليست في الأموال، وإنما في غياب الثقة.

وهذا ما يؤكده الباحث الأمريكي كريم سجادبور، الذي يرى أن المشكلة الأساسية بين البلدين تتمثل في انعدام الثقة، وهو ما يجعل كل خطوة، مهما كانت صغيرة، تتحول إلى معركة تفاوضية معقدة.

وأتفق مع هذا الرأي إلى حد كبير، لأن تاريخ العلاقات الأمريكية الإيرانية مليء بالاتفاقات التي انهارت بسبب الشكوك المتبادلة أكثر من انهيارها بسبب النصوص القانونية.

ماذا يقول الخبراء؟

يرى ريتشارد نيفيو، أحد أبرز خبراء العقوبات الأمريكية، أن الإفراج الجزئي عن الأموال يمكن أن يكون وسيلة لبناء الثقة، لكنه لا يمثل نهاية للعقوبات، لأن واشنطن ستحتفظ دائمًا بأوراق ضغط أخرى.

أما الباحث أليكس فاتانكا، فيعتقد أن الأموال المجمدة لم تعد مجرد ملف اقتصادي، بل أصبحت جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي، ولذلك فإن مصيرها سيظل مرتبطًا بنتائج التفاوض السياسي أكثر من ارتباطه بالاعتبارات المالية.

وفي المقابل، يرى الخبير الاقتصادي الإيراني سعيد ليلاز أن الإفراج عن الأموال قد يمنح الاقتصاد الإيراني متنفسًا مهمًا، لكنه لن يعالج جذور الأزمة، لأن المشكلة الأساسية تكمن في استمرار العقوبات التي تعيق الاستثمار والتجارة وحركة البنوك.

وأجد أن آراء هؤلاء الخبراء، رغم اختلافها، تلتقي عند حقيقة واحدة، وهي أن الأموال وحدها لن تنهي الأزمة، لكنها قد تمهد الطريق أمام حلول أكبر إذا أحسن الطرفان استثمارها.