عاقبة اهمال التسلح والاعتماد على الأحلاف
حسين ابو سبيع يكتب
- dr-naga
- 16 أغسطس، 2026
- مقالات وتحليلات
- الأحلاف, الاتحاد السوفيتي, الرفاهية الاقتصادية, المسلمين, امتلاك السلاح, حسين ابو سبيع
عن أهمية امتلاك السلاح حتى على حساب الرفاهية الاقتصادية، وضرب مثالاً بما قاله المفكر الروسي ألكسندر دوجين، بالإضافة للكلام عن حجم وزارة الدفاع الأمريكية مقارنة بحجم وزارة الخارجية الأمريكية،
وقال أن هذا هو الشرح العملي الذي يأتي من غير المسلمين على حديث “جُعل رزقي تحت ظل رمحي”.
الحقيقة أن المثال العكسي يبقى كذلك دليلاً على صحة المعنى المذكور في الحديث،
فألمانيا والدانمارك من الدول التي قلّصت حجم جيوشها بعد الانضمام للناتو وسقوط الاتحاد السوفيتي،
وهما الآن يواجهان تبعات هذه القرارات.
ألمانيا مثلاً، وهي دولة غنية جداً، تمر عليها السنوات المتلاحقة بفوائض مليارية في الميزانية، ولديها صناديق خاصة لأغراض الطوارئ بعشرات المليارات الأخرى،
قررت تقليص عدد الجيش وتقليص الإنفاق عليه في عهد المستشارة ميركل،
فماذا كانت النتيجة؟
عندما احتلت روسيا أوكرانيا، وأدركت الدول الأوروبية – متأخراً – أن إعادة بناء الجيش مسألة حياة أو موت،
تغير على ألمانيا وزيري دفاع في فترة قصيرة جداً، لأنه لا وقت لتحمل المهاترات الحزبية في مثل هذا المنصب،
حتى أتى وزير الدفاع الحالي بخطة مدروسة لإعادة بناء الجيش،
وقال فيها صراحة أننا نحتاج إلى عشر سنوات حتى يصبح الجيش الألماني قادراً على القتال.
طيب لماذا؟ إذا كانت الأموال موجودة، والاقتراض كذلك متاح، وهو متاح لدول اليورو أكثر مما هو متاح لغيرها كذلك، فما العائق؟
العائق أن عشر سنوات من إغلاق الثكنات ومراكز التدريب (منذ ألغت ميركل التجنيد الإجباري وقلصت الإنفاق حتى الغزو الروسي)،
يعني أن هذه الثكنات لم تعد صالحة للحروب الحالية،
فآخر تقنية تواصل دخلتها كانت خطوط الدي إس إل،
لا تعرف شيئاً عن الألياف الضوئية،
ولا يوجد مدربون أكفاء لتدريب المنضمين الجدد للجيش،
ولا يوجد موردين لديهم إمكاني مضاعفة الطاقة الإنتاجية الكافية لتوفير معدات التدريب والأسلحة والذخائر .
ومضاعفة هذه الطاقة الإنتاجية لا يحدث بين يوم وليلة.
يعني لو استطاعت ألمانيا بأموالها أن تجند اليوم ١٠٠ ألف مرتزق ليدافعوا عنها، فلن تجد لهم سكنا، ولا طعاماً، ولا سلاحاً، ولا مدربين، ولا بنية تحتية للتواصل معهم. لن تجد إلا أن تدفع لهم المرتبات!
بل إن أحد أسباب أزمة ألمانيا المادية في أول سنة للحرب كان تفجير خط استيراد الغاز الروسي نورد-ستريم،
وكانت ألمانيا – والعالم كله – يعلم أن التفجير تم على يد أوكرانيا،
ولم تملك ألمانيا أن تفعل شيئاً بأي شكل رسمي،
بس استمرت في إرسال المساعدات لأوكرانيا،
لأن وقوف أوكرانيا في وجه روسيا هو الأمل الوحيد لإبطاء أو وقف أو قلب الزحف الروسي حتى تستطيع ألمانيا إعادة تأهيل جيشها.
هذا وألمانيا هي أحد أكبر تجار السلاح في العالم، ولكنها تصمم الأسلحة وتصنع محلياً كميات قليلة منها، ثم تبيع تراخيص الإنتاج للحلفاء،
فلما جدّ الجد، عرفوا أن هؤلاء الحلفاء لن يمدوهم بأي من هذه الأسلحة إذا احتاجوا أن يؤمنوا منها مخزوناً كافياً!
ومن أجل توفير نفقات إعادة التأهيل من غير التعدي على صناديق احتياطيات الطوارئ، اضطرت الحكومة إلى اختصار العديد من الخدمات التي تقدم بشكل مجاني للناس،
أو وضع شروط أشد صرامة للاستفادة من هذه الخدمات،
وهو ما أدى إلى ارتفاع تكاليف المعيشة،
وهو ما يؤدي لارتفاع شعبية اليمين المتطرف،
هذا اليمين المتطرف العميل لروسيا أصلاً!
أما الدانمارك، فالقاعدة العسكرية الرئيسية للدفاع عن العاصمة كوبنهاجن اسمها قاعدة “كريستيانا”، أخلاها الجيش الدانماركي في أوائل السبعينات، فسكنها الهيبيز، وبعض الفنانين، وتحولت حالياً إلى مركز لتعاطي الحشيش (رأيت ذلك بعيني)،
وبعد منازعات قضائية مع الحكومة، تغير الوضع القانوني للثكنة، ولم تصبح تابعة للجيش،
يعني لو الجيش الدانماركي أراد أن يعيد استعمالها الآن للدفاع عن العاصمة، فسيكون عليه أن يدخل في مواجهة من جماعة من الشعب نفسه، ثم يعيد تأهيل المكان، فقط ليجد مكاناً له في قلب العاصمة!
هذان مثالان لدولتين رأت كل منهما أن الرفاهية الاقتصادية أهم من التأمين العسكري، وهما الآن يدفعان ثمن هذا الخطأ الفادح، وإن كانت معلوماتي عن الدانمارك طبعاً أقل منها عن ألمانيا.
ما جاء في المقالة تلخيص ما ورد في الحلقة الأخيرة من حلقات السيرة النبوية لأخي محمد إلهامي،