سباق التسلح النووي يهدد العالم مجددًا
في ظل أجواء التوتر النووي
- السيد التيجاني
- 24 فبراير، 2026
- تقارير
- التسليح النووي, الصين, بريطانيا, بكين, فرنسا, موسكو
تشهد مدينة جنيف تحركات دبلوماسية لافتة في أعقاب انتهاء العمل بمعاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية الجديدة، المعروفة باسم New START، والتي شكلت طوال أكثر من عقد الإطار القانوني الأخير المنظم لانتشار الرؤوس الحربية النووية بين الولايات المتحدة وروسيا.
ومع سقوط هذا الاتفاق، يدخل النظام الدولي مرحلة حساسة تتزايد فيها المخاوف من عودة سباق التسلح.
الإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، دفعت نحو فتح مسار تفاوضي جديد لا يقتصر على موسكو، بل يشمل بكين أيضًا، معتبرة أن التحولات في ميزان القوى النووي تفرض مقاربة أوسع من الصيغ الثنائية التقليدية.
وقد عُقدت لقاءات في جنيف مع وفود روسية وصينية لبحث آفاق ترتيبات مستقبلية، في خطوة وُصفت بأنها تمهيدية لكنها “أكثر جدية” من المشاورات السابقة.
فراغ قانوني ومخاوف استراتيجية
كانت المعاهدة المنتهية تضع سقوفًا محددة لعدد الرؤوس الحربية النووية المنشورة، إلى جانب آليات تفتيش متبادل وتبادل دوري للبيانات، ما وفر قدرًا مهمًا من الشفافية والاستقرار. ومع غياب هذه القيود، لم يعد هناك إطار ملزم يضبط العلاقة النووية بين أكبر قوتين في العالم.
يرى الخبير الأمريكي في شؤون الحد من التسلح جيمس أكتون أن الخطر الأكبر لا يكمن في زيادة فورية للأعداد، بل في تآكل الثقة المتبادلة. فغياب آليات التحقق قد يدفع كل طرف إلى تبني افتراضات متشددة بشأن نوايا الآخر، ما يخلق ديناميكية تصعيد غير مقصودة.
كما يحذر محللون من أن التطور السريع في أنظمة الصواريخ المتقدمة والتقنيات الحديثة يضيف طبقة جديدة من التعقيد، خاصة في ظل عدم وجود اتفاقيات تنظم هذه الفئات من الأسلحة بشكل واضح.
الصين ترفض الصيغة الثلاثية
تتمسك بكين بموقفها الرافض للدخول في مفاوضات ثلاثية، مؤكدة أن ترسانتها النووية ما تزال أصغر بكثير من الترسانتين الأمريكية والروسية. وخلال مؤتمر نزع السلاح في جنيف، شدد السفير الصيني شين جيان على أن بلاده لن تدخل في سباق تسلح نووي، وأن مطالبتها بالمشاركة في إطار ثلاثي لا تعكس التفاوت الكبير في حجم المخزونات.
في المقابل، اعتبر مسؤولون أمريكيون أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يأخذ في الاعتبار النمو السريع في القدرات النووية الصينية، لضمان استقرار طويل الأمد. ويرى خبراء أن إدماج الصين في منظومة تفاوضية قد يتطلب خطوات مرحلية أو تخفيضات أولية من جانب واشنطن وموسكو لطمأنة بكين.
خيار الإطار الخماسي ودور القوى الأخرى
طرحت واشنطن احتمال توسيع النقاش ليشمل الدول الخمس دائمة العضوية في United Nations Security Council، أي الولايات المتحدة وروسيا والصين إضافة إلى بريطانيا وفرنسا، وهما دولتان تمتلكان سلاحًا نوويًا أيضًا. ويهدف هذا الطرح إلى بناء إطار أوسع يعكس التعددية في النظام الدولي.
غير أن توسيع دائرة التفاوض قد يزيد من تعقيد العملية، نظرًا لاختلاف العقائد النووية والحسابات الأمنية لكل دولة. وتبدي عواصم أوروبية قلقًا من أن يؤدي غياب أي قيود رسمية إلى عودة أجواء التوتر النووي، خصوصًا في ظل الأزمات الجيوسياسية المتصاعدة.
المشهد الراهن يتسم بسيولة كبيرة. فإما أن تنجح الجهود الدبلوماسية في بلورة اتفاق جديد – ثنائي أو متعدد الأطراف – يعيد الحد الأدنى من الضبط المتبادل، أو يستمر الجمود بما يفتح الباب أمام سباق تسلح تدريجي وغير معلن.
يرى أكتون أن معيار النجاح لا يقتصر على خفض عدد الرؤوس الحربية، بل يشمل بناء آليات تواصل مستدامة تمنع سوء التقدير في أوقات الأزمات. فالتحدي الحالي لا يرتبط بالأرقام وحدها، بل بتغير طبيعة التوازن النووي وتعدد أطرافه.
في المحصلة، تمثل اجتماعات جنيف اختبارًا حاسمًا لمستقبل الاستقرار الاستراتيجي العالمي. وبين رغبة واشنطن في اتفاق أوسع، وتحفظات بكين، وحسابات موسكو، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يشهد العالم إعادة صياغة لقواعد الحد من التسلح، أم بداية مرحلة جديدة من المنافسة النووية المفتوحة؟