جنوب إيران تحت النار.. معاناة متزايدة وآفاق غامضة
- السيد التيجاني
- 20 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- إيران, ضربات أمريكية, طهران
شهدت المحافظات الجنوبية الإيرانية خلال الأسابيع الأخيرة تطورات ميدانية متسارعة بعد اتساع نطاق الضربات الأمريكية التي استهدفت موانئ ومنشآت طاقة وبنية تحتية مرتبطة بالملاحة في محيط مضيق هرمز. وبينما تؤكد واشنطن أن عملياتها تستهدف تقليص القدرات العسكرية الإيرانية وحماية خطوط التجارة الدولية، ترى طهران أن الهجمات تجاوزت الأهداف العسكرية وأثرت بصورة مباشرة في حياة المدنيين.
ورغم أن هذه المناطق تُعد من أكثر الأقاليم التي شهدت احتجاجات خلال السنوات الماضية بسبب الأوضاع الاقتصادية، فإن المؤشرات الحالية لا توحي بظهور موجة احتجاجات جديدة ضد الحكومة، بل أظهرت اتجاهاً متزايداً لدى كثير من السكان لتحميل الحرب مسؤولية تفاقم معاناتهم اليومية.
واقع اقتصادي أكثر تعقيداً
تعتمد محافظات هرمزجان وخوزستان وبوشهر وسستان وبلوشستان على قطاعات النفط والغاز والموانئ والصيد البحري، وهي قطاعات تأثرت بشكل مباشر نتيجة التوترات العسكرية.
ويقول خبراء اقتصاديون إن أي اضطراب في هذه المناطق ينعكس سريعاً على فرص العمل، وسلاسل الإمداد، وتكاليف النقل، إضافة إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية.
كما ساهمت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في زيادة انقطاعات الكهرباء والمياه، الأمر الذي ضاعف معاناة السكان في ظل درجات حرارة مرتفعة تتجاوز أربعين درجة مئوية خلال فصل الصيف.
لماذا لم تتحول الأزمة إلى احتجاجات؟
يرى أستاذ العلوم السياسية الإيراني صادق زيبا كلام أن الحروب الخارجية غالباً ما تدفع المجتمعات إلى تأجيل خلافاتها الداخلية، موضحاً أن المواطنين قد يختلفون مع السلطة، لكنهم في أوقات النزاعات العسكرية يركزون على حماية الدولة من الأخطار الخارجية.
ويؤكد أن الضغوط الاقتصادية المستمرة لا تعني بالضرورة استعداد الشارع للتحرك، خاصة عندما يشعر السكان بأن أي اضطرابات قد تزيد من حالة عدم الاستقرار.
أما الباحث في شؤون الشرق الأوسط علي فايز من مجموعة الأزمات الدولية، فيرى أن المزاج الشعبي داخل إيران أكثر تعقيداً من الصورة التقليدية التي تربط الأزمة الاقتصادية تلقائياً بالاحتجاجات، مشيراً إلى أن قطاعات واسعة من الإيرانيين ترفض السياسات الحكومية لكنها في الوقت نفسه لا تؤيد التدخل العسكري الخارجي.
يعتقد الباحث الأمريكي كينيث بولاك، الزميل في معهد “إنتربرايز” الأمريكي، أن الضربات العسكرية قد تحقق أهدافاً تكتيكية على المدى القصير، لكنها لا تضمن إحداث تحول سياسي داخل إيران.
ويشير إلى أن التجارب التاريخية أثبتت أن المجتمعات التي تتعرض لهجمات خارجية تميل غالباً إلى تعزيز التماسك الداخلي، حتى وإن كانت تعاني من أزمات اقتصادية وسياسية.
من جانبه، يرى الخبير العسكري البريطاني مايكل كلارك أن استمرار استهداف البنية التحتية المدنية بصورة غير مباشرة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يزيد من الغضب الشعبي تجاه الحرب بدلاً من زيادة الضغوط على النظام.
موقف الحكومة الإيرانية
تواصل السلطات الإيرانية التأكيد على أن الولايات المتحدة تستهدف الاقتصاد الوطني والمرافق المدنية، وتتهم واشنطن بالسعي إلى فرض ضغوط معيشية على المواطنين.
كما تعلن الحكومة بصورة متكررة استمرار جهودها لإصلاح شبكات الكهرباء وتأمين الوقود وإعادة تشغيل المرافق المتضررة، مع التأكيد على أن الخدمات الأساسية ستبقى أولوية رغم ظروف الحرب.
وفي المقابل، تنفي طهران الاتهامات المتعلقة بوجود تمييز ضد الأقليات العرقية أو الدينية، وتؤكد أن جميع المحافظات تحصل على الخدمات وفق الإمكانات المتاحة.
الأقليات بين المطالب القديمة والظروف الجديدة
تضم المحافظات الجنوبية تنوعاً سكانياً كبيراً يشمل العرب والبلوش وجماعات سنية إلى جانب الأغلبية الشيعية.
وخلال الأعوام الماضية رفعت هذه المكونات مطالب تتعلق بالتنمية الاقتصادية، وتحسين الخدمات، وزيادة فرص العمل، إضافة إلى مطالب ثقافية وتعليمية.
ويرى الباحث الإيراني أحمد زيد آبادي أن استمرار الحرب جعل الأولوية لدى كثير من السكان تنحصر في الأمن والاستقرار بدلاً من المطالب السياسية التقليدية، لكنه يحذر من أن المشكلات الهيكلية ستعود إلى الواجهة بمجرد انتهاء العمليات العسكرية إذا لم تتم معالجتها.
انعكاسات إنسانية
تواجه الأسر في جنوب إيران تحديات يومية متزايدة نتيجة انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، وهو ما يؤدي أيضاً إلى توقف ضخ المياه في كثير من المناطق.
كما يواجه أصحاب المتاجر الصغيرة والمزارعون والصيادون خسائر متزايدة بسبب اضطراب حركة النقل وتراجع النشاط الاقتصادي.
وتحذر منظمات إنسانية من أن استمرار الصراع قد يؤدي إلى تراجع الخدمات الصحية والتعليمية في المحافظات الأكثر تأثراً، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف المعيشة.
دعت الأمم المتحدة إلى ضرورة حماية المدنيين والبنية التحتية الحيوية والالتزام بالقانون الدولي الإنساني.
كما طالبت عدة دول أوروبية بخفض التصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي لتجنب اتساع دائرة المواجهة في الخليج.
في المقابل، تؤكد الولايات المتحدة أن عملياتها تستهدف منشآت مرتبطة بالقدرات العسكرية الإيرانية وبحماية الملاحة الدولية، بينما ترفض إيران هذا التوصيف وتعتبره مبرراً لتوسيع العمليات العسكرية.
تحديات أمام جميع الأطراف
يواجه الاقتصاد الإيراني ضغوطاً متزايدة نتيجة العقوبات واستمرار العمليات العسكرية، في حين تواجه الولايات المتحدة تحديات مرتبطة بإطالة أمد المواجهة واحتمال اتساعها إقليمياً.
كما تزداد المخاوف من تأثير أي تصعيد جديد على أسواق الطاقة العالمية وحركة التجارة عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية.
ويرى خبراء الطاقة أن أي تعطيل طويل الأمد للموانئ أو منشآت التصدير سيؤثر في أسعار النفط العالمية ويزيد من الضغوط التضخمية في الأسواق الدولية.
توقعات المرحلة المقبلة
يرى أستاذ العلاقات الدولية فواز جرجس أن استمرار الحرب دون أفق سياسي سيؤدي إلى استنزاف جميع الأطراف، موضحاً أن الحل العسكري وحده لن ينهي الأزمة.
أما الباحث الأمريكي رايان بول في مؤسسة “راند” فيتوقع استمرار الضربات المحدودة والمتقطعة خلال المرحلة المقبلة مع تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، بسبب الكلفة السياسية والعسكرية المرتفعة.
من جهته، يعتقد الباحث في شؤون الخليج عبد العزيز ساكر أن أي انفراج حقيقي يتطلب استئناف المفاوضات الإقليمية، لأن استمرار المواجهة سيزيد من الضغوط الاقتصادية على شعوب المنطقة بأكملها.
مستقبل المزاج الشعبي
تشير المؤشرات الحالية إلى أن الغضب الشعبي في جنوب إيران يتجه بصورة أكبر نحو رفض استمرار الحرب أكثر من تحوله إلى احتجاجات سياسية داخلية.
فالكثير من السكان يطالبون بإنهاء العمليات العسكرية وتحسين الأوضاع المعيشية واستعادة الخدمات الأساسية، بينما يبقى الموقف من الحكومة معقداً؛ إذ يستمر الانتقاد للأوضاع الاقتصادية، لكن دون وجود مؤشرات واضحة على تشكل حركة احتجاج واسعة في ظل الظروف الأمنية الراهنة.
وفي ظل استمرار الضربات وتزايد الأعباء الاقتصادية، تبدو المرحلة المقبلة مرهونة بقدرة الأطراف على احتواء التصعيد، لأن أي توسع إضافي في العمليات قد يدفع المنطقة إلى تداعيات إنسانية واقتصادية تتجاوز حدود إيران وتمتد إلى الخليج والأسواق العالمية.